‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

2011/05/15

نكبة أم تطهير عرقي؟ - عبد الوهاب المسيري

من أهم الكتب التي أصدرها المؤرخون الجدد في إسرائيل، و الذي تعتمد كتاباتهم علي الوثائق الصهيونية التي تم نزع السرية عنها(declassified) يكشف كتاب إيلان بابيه التطهير العرقي في فلسطين. و إيلان بابيه من أهم المؤرخين الجدد بل لعله أهمهم، نظرا لأنه أخذ أطروحاتهم الأساسية و دفع بها إلي نهايتها المنطقية، و لعله لهذا السبب أصبح رافضا للإيديولوجية الصهيونية و لكل منطلقاتها و تبدياتها. يري بابيه أن الدولة الصهيونية أطلقت اسم «حرب الاستقلال» علي حرب 1948 بينما سماها العرب « نكبة» فلسطين. و في تصوره أن تعبير النكبة مراوغ لأنه يحيل إلى الكارثة نفسها أكثر مما يحيل إلى من أوقعها، ولماذا فعل ذلك. و هو يذهب إلي أنه جرى تبني مصطلح «النكبة» لأسباب مفهومة، كمحاولة لمواجهة الثقل المعنوي للهولوكست النازية. لكن تجاهل من أوقع النكبة قد ساهم، إلى حد ما، في استمرار العالم في إنكار أن ما جرى في فلسطين سنة 1948، وبعد ذلك التاريخ ،كان تطهيراً عرقياً. فما هو التطهير العرقي؟

تعرّف موسوعة «هاتشينسون» Hutchinson «التطهير العرقي» بأنه طرد بالقوة من أجل إيجاد تجانس عرقي في إقليم أو أرض يقطن فيها سكان من أعراق متعددة. وهدف الطرد هو ترحيل أكبر عدد ممكن من السكان، بكل الوسائل المتاحة لمرتكب الترحيل، بما في ذلك وسائل غير عنيفة، كما حدث بالنسبة إلى المسلمين في كرواتيا، الذين طردوا بعد اتفاقية ديتون في تشرين الثاني (نوفمبر) 1995.
ويحظى هذا التعريف أيضاً بقبول وزارة الخارجية الأميركية، التي تفحصت ما حدث في أيار (مايو) 1999 في مدينة بيك في كوسوفو الغربية. فقد تم إخلاء هذه المدينة في غضون 24 ساعة، وهذا ما لم يكن ممكناً إنجازه إلاّ من خلال تخطيط مسبق أعقبه تنفيذ منهجي. وقد حدثت أيضاً مجازر متفرقة من أجل تسريع العملية. وما حدث في بيك في سنة 1999 حدث بالطريقة نفسها تقريباً في مئات من القرى الفلسطينية في سنة 1948.

و يدافع بابيه عن نموذج التطهير العرق cleansing Paradigm of ethnic بدلاً من نموذج الحرب paradigm of war كنقطه إنطلاق و إطار للبحث العلمي والنقاش العام في شأن أحداث 1948. ويري أن غياب نموذج التطهير العرقي يفسر جزئياً لماذا أمكن أن يستمر إنكار النكبة طوال هذه الفترة المديدة من الزمن. فعندما أنشأت الحركة الصهيونية دولتها القومية لم تخض حرباً نجم عنها بصورة مأساوية طرد «أجزاء» من السكان الفلسطينيين، بل بالعكس: كان الهدف الرئيسي للحركة تطهير فلسطين بأسرها تطهيراً عرقياً شاملاً، باعتبارها البلد الذي أرادت أن تقيم دولتها فيه. وقد أرسلت الدول المجاورة جيشاً صغيراً - بالمقارنة مع قوتها العسكرية الإجمالية - في محاولة فاشلة لمنع التطهير العرقي، لكن ذلك حدث بعد أسابيع من بدء التطهير العرقي، ولم يؤد إلى وقف العمليات التي كانت جارية، والتي استمرت إلى أن أُكملت بنجاح (جزئي) في خريف سنة 1948. إن الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل لا تعود إلى عوامل زئبقية مثل ظروف الحرب، أو كما يقول المؤرخ الصهيوني (الجديد) بني موريس: «في الحرب تجري الأمور كما في الحرب» ، وما شابه ذلك من تعابير غامضة تسمح للدول ذات السيادة بالإفلات من تبعات ما ترتكبه من جرائم، وللأفراد بالإفلات من قبضة العدالة، فنية التطهير العرقي كانت مبيتة.

ويقوم بابيه بدحض الأفكار الرائجة عن نزوح للفلسطينيين من أرضهم بشكل طوعي أو بسبب وعود الجيوش العربية بأن النازحين سيعودون لديارهم حالما تنتهي الحرب مع ما سمي آنذاك «العصابات الصهيونية». فبابيه يري أن ما جرى عام 1948 هو عملية تطهير عرقي لفلسطين من سكانها الأصليين، وهي جريمة ضد الإنسانية أرادت إسرائيل إنكارها ودفع العالم إلى نسيانها. والكتاب هو محاولة لاسترداد المذابح التي إرتكبها الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني من غياهب النسيان.

و يشير بابيه في كتابه إلى مصطلح«الميزان الديموغرافي» بين العرب واليهود في فلسطين. فيبين أن الصهاينة كانوا يرون أنه إذا مال هذا الميزان في غير صالح اليهود فإنه سيقوض إمكانية السيطرة اليهودية الحصرية على فلسطين، و لذا وصف الصهاينة مثل هذا الوضع بأنه كارثي. وكان الميزان الديموغرافي، سواء داخل حدود الدولة التي عرضتها الأمم المتحدة على اليهود، أو داخل الحدود التي عينتها القيادة الصهيونية نفسها، كان في نظر القيادة اليهودية كارثة وشيكة الوقوع.

تجاه هذا المأزق الديموغرافي كان رد فعل القيادة الصهيونية من نوعين: نوع للاستهلاك العام، ونوع للحلقة الضيقة من المقربين الذين جمعهم بن-غوريون حوله. فالسياسة العلنية التي شرع هو وزملاؤه في الإفصاح عنها في هيئات مثل «مجلس الشعب» المحلي («البرلمان» اليهودي في فلسطين) كان محورها الحاجة إلى تشجيع هجرة يهودية كثيفة إلى البلد. أمّا في الأطر الضيقة، فقد كان القادة يعترفون بأن الهجرة مهما تعاظم شأنها فإنها لن تكون أبداً كافية لموازنة الغالبية الفلسطينية، وأن هناك حاجة إلى وسائل أُخرى إضافة إلى الهجرة. وقد وصف بن-غوريون هذه الوسائل عام 1937 عندما ناقش مع أصدقاء له مسألة فقدان غالبية يهودية صلبة في دولة مستقبلية، فأخبرهم أن «واقعاً» كهذا -غالبية فلسطينية في البلد- سيرغم المستوطنين اليهود على استخدام القوة لتحقيق «الحلم»: فلسطين يهودية محضة.

وبعد عشرة أعوام، في 3 كانون الأول (ديسمبر) 1947، في خطاب له أمام كبار أعضاء حزب مباي (حزب عمال أرض إسرائيل)، لخص بصورة أوضح كيف يجب التعامل مع حقائق لا يمكن قبولها، مثل قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة: هناك 40 في المئة من غير اليهود في المناطق المخصصة للدولة اليهودية. إن هذه التركيبة ليست أساساً متيناً لدولة يهودية، ويجب أن نواجه هذا الواقع الجديد بكل قسوته ووضوحه. إن ميزاناً ديموغرافياً كهذا يطرح علامة استفهام في شأن قدرتنا على المحافظة على سيادة يهودية... إن دولة 80 في المئة من سكانها على الأقل يهود هي وحدها يمكن أن تكون قابلة للحياة ومستقرة.
في 2 تشرين الثاني (نوفمبر)، أي قبل شهر تقريباً من تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار التقسيم، وأمام هيئة مختلفة هي اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية، صرح بن-غوريون للمرة الأولى بمنتهى الوضوح أن التطهير العرقي يشكل وسيلة بديلة، أو متممة، لضمان أن تكون الدولة الجديدة يهودية محضة.

بين بابيه أنه في عصر يوم الأربعاء 10 آذار (مارس) 1948، وضعت مجموعة من أحد عشر رجلاً، مكونة من قادة صهيونيين قدامى وضابطين عسكريين شابين، اللمسات الأخيرة على خطة لتطهير فلسطين عرقياً. و ذلك عن طريق الاستعداد للقيام بطرد منهجي للفلسطينيين من مناطق واسعة في البلد عن طريق خطة، تسمى الخطة دالت، و هي خطة مفصلة تشمل إثارة الرعب ومحاصرة وقصف القرى والمراكز السكانية وحرق المنازل والأملاك والبضائع وزرع ألغام وسط الأنقاض، و الهدف من الخطة هو رحيل الفلسطينيين و منعهم من العودة إلى منازلهم. هذه الخطة، كانت النتيجة الحتمية للنزعة الأيديولوجية الصهيونية التي تطلعت إلى أن تكون فلسطين لليهود حصراً. و قد تم تنفيذ الخطة قبل حرب 1948 و أثناءها و بعدها.
والله أعلم.

سوف تأتى ساعة الحساب ~ مصطفى محمود


اليهود يجرفون الأرض الفلسطينية ويهدمون البيوت علي رؤوس ساكنيها ويزرعون الألغام لتتفجر في الأطفال وتعتقل كل عابر سبيل ويقولون إن ما يفعلونه هو الدفاع عن النفس أمام الإرهاب الفلسطيني من يرهب من؟

العسكري الإسرائيلي الذي يركب دبابات كالأفيال ويطلق رشاشاته،‏ وهو آمن داخل قبة مصفحة من الصلب‏…‏ أم الطفل الفلسطيني الذي يرشقة بالحجارة‏…‏؟‏!‏

الــ إف‏16‏ التي تنقض كالشبح من السماء لتسوي البيوت بالأرض‏…‏ أم الأولاد الذين يهربون وظهورهم مكشوفة للرشاشات الإسرائيلية‏…‏؟؟‏!!‏

إنها الموضة الجديدة‏…‏ الإرهاب

قل الإرهاب‏..‏ وافعل ما تشاء وارتكب كل جريمة فأنت في أمان ولك عذرك والقافلة الإسرائيلية تسير في حمي القيادة الأمريكية وتستلهم الربان الكبير‏…‏ وطائرات الربان الكبير تجوب أجواء أفغانستان وتقصف البيوت والقوافل والسيارات وتأتي البلاغات بقتل المئات في خوست وفي قندهار وفي كابول ويعترض حاكم افغانستان الجديد كارازاي ويقول لقد قتلت الغارات الأمريكية الوفود التي كانت قادمة بالقنابل الافغانية‏..‏ وهذا لا يليق ويطالب كارازاي بوقف هذا القصف العشوائي تمهيدا لعودة الحياة الطبيعية إلي البلاد ولكن أين الحياة الطبيعية ورائحة بن لادن تملأ الهواء الأفغاني والملا عمر ابتعله الجب‏…‏

والإرهاب هو النغمة السائدة والابراج المشتعلة تواصل الظهور الدوري في جميع الفضائيات تطلب الانتقام بلسان الحال وشرائط بن لادن تطارد دونالد رامسفيلد عبر قناة الجزيزة‏….‏ وتحرمه من النوم‏..‏ وتهدده بأن الزوبعة العسكرية التي اطلقها في أجواء العالم‏…‏ يمكن أن تنتهي إلي لاشيء‏..‏ والخطر يمكن أن يتضاعف‏..‏ وعواصف الرعب لن تقدم حلا‏…‏ فالمجرم طليق ويمكن أن يفعل أي شيء‏..‏ وكل شيء محتمل ومع قدوم العام الجديد واحتفالات اعياد الميلاد تضيئ سموات العالم بالعاب نارية من نوع آخر وصواريخ جالبة للمرح وهدايا بابا نويل يحملها لأطفال العالم،‏ ومعها تمنيات بعام سعيد وعمر مديد‏..‏ ولكنه في القلوب هم ثقيل‏….‏ وبعض الألعاب النارية تتحول إلي حرائق فعلية‏..‏ وغابات استراليا تشتعل بحرائق حقيقية وتؤذن بخراب حقيقي‏.‏

إن الإنسان لا يستطيع أن يصنع السعادة بمجرد أن يشتري دمية اسمها بابا نويل‏…‏ وهو في صناعته للبؤس أكثر نجاحا‏…‏ وفي صناعته للموت عبقري‏…‏

ومن رحمة الله أن الواحد منا لا يعلم ماذا سيصيبه غدا‏..‏ وأن الواحد منا يسير وعلي عينيه عصابة‏…‏ وربما لو رفعت تلك العصابا ورأي الغيب لفر هاربا ليطلب الموت إينما وجده اننا نعيش في شريحة مخيفة من الزمن‏…‏ وبرويز مشرف وفاجباي يقفان علي شفا حرب نووية‏..‏ وكانت أقصي الأخطار في الماضي مبارزات السيوف وتراشق الخناجر‏..‏ وقابيل قتل هابيل بحجر‏..‏ أما اليوم فاننا نتبارز علي فوهات براكين‏…‏ والموت الشامل يهدد الكل‏…‏ والقنابل النووية علي رؤوس الجميع‏.‏

وكان المفروض أن تقودنا سعة العلم إلي الحكمة،‏ ولكنها شجعتنا أكثر علي الحماقة وأصبح الهدف العاجل أن نحقق فيما تبقي من دقائق العمر كل شئ‏…‏ وكانت النتيجة أننا نخسر دائما كل شئ‏..‏ وأكلت العجلة أحلي سنين العمر‏.‏

ومن رحمة الله أن أسدل علي عيوننا حجاب الغيب،‏ وكان هذا هو الامتحان الأعظم فنحن جميعا عميان بالرغم من أننا مبصرون‏…‏ لا نملك إلا الحدس والاستشفاف والتخمين بالمستقبل‏.‏

ألم أقل لك أن الله وضع في الإنسان الفرد كل عناصر الملهاة والمأساة ثم أطلقه في الأرض حرا ليعرف حقيقة قلبه وعين اختياره‏.‏
إن حرية الإنسان كانت بداية الملهاة والمأساة‏.‏

وامتداد العمر يعطي الوهم بالخلود بينما يحمل كل إنسان نفسه علي كفية في كل خطوة ويموت موتا في كل لحظة ويحترق احتراقا مع كل برهة زمان ويخرج مع انفاسه مخلفات هذا الاحتراق،‏ كما الشعلة التي تأكل نفسها شيئا فشيئا حتي تصبح ترابا‏.‏

ويبدو رجل مثل شارون ذروه في الغباء والحمق،‏ وهو يحاول أن يهدم المعبد علي من فيه ويرفع راية نصر وهمي‏…‏ ويحاول أن يسابق الزمن ويبدأ من النهاية‏…‏ من القتل‏..‏ ليصل إلي القتل‏…‏ ويستمر يحرث في بحر غبائه ويجري في حلبه من الوهم‏..‏ وينسي أنه يتآكل،‏ وأن كل شئ حولة يتآكل‏..‏ وأن الجبال الشوامخ تتآكل والقمم تتآكل وأنه يحرث في بحار الوهم‏.‏

وليسوا حكماء من سموا أنفسهم بحكماء آل صهيون‏..‏ بل هم بمكرهم وأفعالهم من أغبياء آل صهيون،‏ ومن أدعياء آلي صهيون‏..‏ وانهم لا أكثر من حفنة المتآمرين الذي يمكرون بالعالم‏..‏ وهم في النهاية بأنفسهم يمكرون‏.‏

وعودا إلي التاريخ وإلي ما يجري في أفغانستان‏..‏ نقول أن الله اراد في سابق علمه إن يضع نهاية لتشدد طالبان ولمذهبها الحنبلي الذي صوروه للدنيا بأنه حقيقة الإسلام‏…‏ وما كان لشخص أن ينفرد بوضع تحديد لتطور الإسلام في الزمن إلا نبي الإسلام الملهم من الله وقد ترك نبينا فهم الإسلام مفتوحا باتساع القرآن علي مدي ما يستجد من أفهام وعقول المجتهدين‏…‏ وما كان لابن حنبل أو غيره أن يسجن الاسلام في فهم مقفل بأقفال التحريم والترهيب‏…‏ وإنما اراده الله نهرا يتجدد بما يصب فيه من روافد الاجتهاد‏…‏ إلي آخر الزمان‏..‏

هكذا كانت إرادة الله
وما حدثت إلا إرادته وما جرت الا مشيئته ولكن الله يخفي إرادته في أسبابه
والله يسخر لأسبابه من يريد دون أن يدري بحقيقة ما يريد
والله اراد الإسلام تحريرا لطاقات الرجل والمرأة البناءة وطاقات المرأة كانت بالفعل سجينة ومعطله في الإطار الطالباني الحنبلي والله يمكن أن يسخر للإسلام حتي اعداء الإسلام‏…‏

والتاريخ كله يقول بهذا‏..‏ أن الله كان يسخر للإسلام حتي أعداء الإسلام كما كان يسخر محبيه وأنصاره،‏ وقد خرج كبار المفكرين الاسلاميين المجددين من قلب أوروبا،‏ ومن داخل الغرب العدواني‏..‏ جارودي من فرنسا وبيجوفتش المفكر السياسي المجدد من البوسنة ومراد هوفجان من المانيا ومحمد أسد المفكر اليهودي من اقصي الغرب‏..‏

والأمير تشارلز وريث العرش البريطاني كان دائما يقول إن الإسلام حضارة،‏ وليس مجرد شعائر،‏ وهو لا يخفي احترامه لهذا الدين في جميع المناسبات رغم كل ما حدث كان استمرار النهج الطالباني إذن إستحالة في هذا العصر،‏ ولا اظلم أحدا فالملا عمر وأفعاله تغفر لهم حسن النيات وهم مسلون مخلصون في حدود فهمهم،‏ ولكن حسن النيات لا يبرر الجمود‏.‏

وبالمثل نقول إنه يخطئ كثيرا من يتصور أن ايدي الامريكان طالت الإسلام وأنها ستغير وتبدل فيه ما تشاء‏…‏ ألم يصنع كمال اتاتورك بالإسلام ما أراد‏…‏

ولا اظن أن كمال اتاتورك فعل بالإسلام ما اراد‏..‏ بل فعل ما أراد الاتراك أنفسهم الذين عشقوا الفرنجة الأوروبية أكثر من الأوروبيين أنفسهم‏…‏ ومازالت اقصي أمنيات الاتراك هي الالتحاق بأوروبا وبالنهج الأوروبي‏…‏ وما فعلوا بأنفسهم إلا ما ارادوا‏.‏

والله بعدله يترك الناس لخياراتهم ثم يحاسبهم علي هذه الخيارات‏…‏ ولكن ليس في سنن الله قهر أحد من خلق علي غير طبيعته‏..‏ لأن الأفعال والطبائع هي موضوع المحاسبة ومحل الجزاء وليس النوايا كان هناك إذن خلفية من الحكمة الإلهية وراء كل ما حدث،‏ أما الكيفية الإجرامية التي حدث بها فإنها أمر له حساب آخر‏….‏ وأمريكا ليست الإمام الشافعي‏..‏ ولم تكن تنظر إلي إصلاح شأن الأفغان‏…‏ بل كانت تهدف إلي بترول بحر قزوين‏..‏ ألم تدفع ‏8‏ مليارات دولار مهرا للاوزبكستان الفقيرة لتحجز لها موضع قدم ومرتكزا دائما للقوات الأمريكية علي شاطئ بحر قزوين‏..‏ إنها أطماع وهي اطماع واهداف لها حساب آخر ولها موازين أخري عند العليم الذي لا يغفل ولا ينام‏…‏ وتدخل في بند آخر اسمه بند الاستعمار والاستغلال والاستغفال‏…‏ ولكل بند حسابه وعقابه‏.‏

رغم كل المأسوية والإجرامية والجبروت فيما جرت أخيرا فهناك منطق،‏ وهناك حكمة وهناك خطأ في الحسابات من البداية‏..‏ اسمه التشدد والتطرف والمغالاة في فهم الإسلام وتطبيقه‏..‏ وهناك ظلم وقع علي المرأة الافغانية‏.‏

ولن يحتسب ما فعل الأمريكان عند الله إصلاحا‏..‏ فما كانت النية منذ البداية إصلاحا‏..‏ وما كان الهدف عند الامريكان الا اطماعا‏…‏ ولم تتجنب القذائف الأمريكية النساء وتختار الرجال،‏ بل قتلت الكل وسوت بالأرض كل شئ‏…‏ وكان الغزو يطلب كل شئ‏..‏ الأرض وأصحاب الأرض ومستقبل الأرض،‏ ومفاتيح السيطرة علي الأرض،‏ وسوف يقف في قفص الأتهام الكل‏…‏ القاتل والمتفرج ولن تستطيع نفس أن تخدع الخالق العليم الذي خلقها وأحاط بأسرارها علما،‏ والمشكلة ان الكل يتصور أن الحدث نهاية وخاتمة وإقفال للمحضر‏…‏ ولا أحد يفكر أن العكس هو ما سوف يحدث‏…‏ ان الموت هو البداية‏..‏ وأنه المفاجأة الصاعقة التي اسمها الحساب‏.‏
وساعتها لا وسط‏…‏

إنه نعيم الأبد أو جحيم الأبد‏…‏
ولا مهرب‏..‏
ولا اعتذار‏.‏.

د. مصطفى محمود
6-6-1998

دير ياسين و نموذج التطهير العرقي ~ المسيري





مذبحة دير ياسين وغيرها من أعمال الإرهاب والتنكيل، إحدى الوسائل التي انتهجتها المنظمات الصهيونية المسلحة من أجل السيطرة على الأوضاع في فلسطين وتطهيرها عرقياً تمهيداً لإقامة الدولة اليهودية الخالصة حسب الخطة داليت.ـ
تقع قرية دير ياسين على بُعد بضعة كيلو مترات من القدس على تل يربط بينها وبين تل أبيب. وكانت القدس آنذاك تتعرض لضربات متلاحقة، وكان العرب، بزعامة البطل الفلسطيني عبد القادر الحسيني، يحرزون الانتصارات في مواقعهم. لذلك كان اليهود في حاجة إلى انتصار حسب قول أحد ضباطها "من أجل كسر الروح المعنوية لدى العرب، ورفع الروح المعنوية لدى اليهود"، فكانت دير ياسين فريسة سهلة لقوات الإرجون. كما أن المنظمات العسكرية الصهيونية كانت في حاجة إلى مطار يخدم سكان القدس. كما أن الهجوم وعمليات الذبح والإعلان عن المذبحة هي جزء من نمط صهيوني عام يهدف إلى تفريغ فلسطين من سكانها عن طريق الإبادة والطرد. كان يقطن القرية العربية الصغيرة 400 شخص، يتعاملون تجارياً مع المستوطنات المجاورة، ولا يملكون إلا أسلحة قديمة يرجع تاريخها إلى الحرب العالمية الأولى.
في فجر 9 أبريل عام 1948 دخلت قوات الإرجون من شرق القرية وجنوبها، ودخلت قوات شتيرن من الشمال ليحاصروا القرية من كل جانب ما عدا الطريق الغربي، حتى يفاجئوا السكان وهم نائمون. وقد قوبل الهجوم بالمقاومة في بادئ الأمر، وهو ما أدَّى إلى مصرع 4 وجرح 40 من المهاجمين الصهاينة. وكما يقول الكاتب الفرنسي باتريك ميرسييون: "إن المهاجمين لم يخوضوا مثل تلك المعارك من قبل، فقد كان من الأيسر لهم إلقاء القنابل في وسط الأسواق المزدحمة عن مهاجمة قرية تدافع عن نفسها.. لذلك لم يستطيعوا التقدم أمام هذا القتال العنيف".ـ
ولمواجهة صمود أهل القرية، استعان المهاجمون بدعم من قوات البالماخ (الاشتراكية اليسارية!) في أحد المعسكرات بالقرب من القدس، حيث قامت من جانبها بقصف القرية بمدافع الهاون لتسهيل مهمة المهاجمين. ومع حلول الظهيرة أصبحت القرية خالية تماماً من أية مقاومة، فقررت قوات الإرجون وشتيرن (والحديث لميرسييون) "استخدام الأسلوب الوحيد الذي يعرفونه جيداً، وهو الديناميت. وهكذا استولوا على القرية عن طريق تفجيرها بيتاً بيتاً. وبعد أن انتهت المتفجرات لديهم قاموا "بتنظيف" المكان من آخر عناصر المقاومة عن طريق القنابل والمدافع الرشاشة، حيث كانوا يطلقون النيران على كل ما يتحرك داخل المنزل من رجال، ونساء، وأطفال، وشيوخ". وأوقفوا العشرات من أهل القرية إلى الحوائط وأطلقوا النار عليهم. واستمرت أعمال القتل على مدى يومين. وقامت القوات الصهيونية بعمليات تشويه سادية (تعذيب ـ اعتداء ـ بتر أعضاء ـ ذبح الحوامل والمراهنة على نوع الأجنة)، وأُلقي بـ 53 من الأطفال الأحياء وراء سور المدينة القديمة، واقتيد 25 من الرجال الأحياء في حافلات ليطوفوا بهم داخل القدس طواف النصر على غرار الجيوش الرومانية القديمة، ثم تم إعدامهم رمياً بالرصاص. وألقيت الجثث في بئر القرية وأُغلق بابه بإحكام لإخفاء معالم الجريمة. وكما يقول ميرسييون: "وخلال دقائق، وفي مواجهة مقاومة غير مسبوقة، تحوَّل رجال وفتيات الإرجون وشتيرن، إلى "جزارين"، يقتلون بقسوة وبرودة ونظام مثلما كان جنود قوات النازية يفعلون". ومنعت المنظمات العسكرية الصهيونية مبعوث الصليب الأحمر جاك دي رينييه من دخول القرية لأكثر من يوم. بينما قام أفراد الهاجاناه الذين احتلوا القرية بجمع جثث أخرى في عناية وفجروها لتضليل مندوبي الهيئات الدولية وللإيحاء بأن الضحايا لقوا حتفهم خلال صدامات مسلحة (عثر مبعوث الصليب الأحمر على الجثث التي أُلقيت في البئر فيما بعد).ـ


وقد تباينت ردود أفعال المنظمات الصهيونية المختلفة بعد المذبحة، فقد أرسل مناحم بيجين برقية تهنئة إلى رعنان قائد الإرجون المحلي قال فيها: "تهنئتي لكم لهذا الانتصار العظيم، وقل لجنودك إنهم صنعوا التاريخ في إسرائيل". وفي كتابه المعنون الثورة كتب بيجين يقول: "إن مذبحة دير ياسين أسهمت مع غيرها من المجازر الأخرى في تفريغ البلاد من 650 ألف عربي". وأضاف قائلاً: "لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل". وقد حاولت بعض القيادات الصهيونية التنصل من مسئوليتها عن وقوع المذبحة. فوصفها ديفيد شالتيل، قائد قوات الهاجاناه في القدس آنذاك، بأنها "إهانة للسلام العبري". وهاجمها حاييم وايزمان ووصفها بأنها عمل إرهابي لا يليق بالصهاينة. كما ندَّدت الوكالة اليهودية بالمذبحة. وقد قامت الدعاية الصهيونية على أساس أن مذبحة دير ياسين مجرد استثناء، وليست القاعدة، وأن هذه المذبحة تمت دون أي تدخُّل من جانب القيادات الصهيونية بل ضد رغبتها. إلا أن السنوات التالية كشفت النقاب عن أدلة دامغة تثبت أن جميع التنظيمات الصهيونية كانت ضالعة في ارتكاب تلك المذبحة وغيرها، سواء بالاشتراك الفعلي في التنفيذ أو بالتواطؤ أو بتقديم الدعم السياسي والمعنوي.ـ
وقد ذكر ذكر مناحم بيجين في كتابه الثورة أن الاستيلاء على دير ياسين كان جزءاً من خطة أكبر وأن العملية تمت بكامل علْم الهاجاناه "وبموافقة قائدها" (بن جوريون)، وأن الاستيلاء على دير ياسين والتمسك بها يُعَد إحدى مراحل المخطط العام رغم الغضب العلني الذي عبَّر عنه المسئولون في الوكالة اليهودية والمتحدثون الصهاينة.ـ
وقد ذكرت موسوعة الصهيونية وإسرائيل (التي حررها العالم الإسرائيلي روفائيل باتاي) أن لجنة العمل الصهيونية (اللجنة التنفيذية الصهيونية) وافقت في مارس من عام 1948 على "ترتيبات مؤقتة، يتأكد بمقتضاها الوجود المستقل للإرجون، ولكنها جعلت كل خطط الإرجون خاضعة للموافقة المسبقة من جانب قيادة الهاجاناه".ـ
وقد أقر الصهيوني العمالي مائير بعيل في السبعينيات بأن مذبحة دير ياسين كانت جزءاً من مخطط عام (الخطة داليت)، اتفقت عليه جميع التنظيمات الصهيونية في مارس 1948، وكان يهدف إلى طَرْد الفلسطينيين من المدن والقرى العربية قبيل انسحاب القوات البريطانية، عن طريق التدمير والقتل وإشاعة جو من الرعب والهلع بين السكان الفلسطينين وهو ما يدفعهم إلى الفرار من ديارهم. ولهذا لا غرو أنه بعد ثلاثة أيام من المذبحة، تم تسليم قرية دير ياسين للهاجاناه لاستخدامها مطاراً.ـ
وأياً ما كان الأمر، فالثابت أن مذبحة دير ياسين والمذابح الأخرى المماثلة لم تكن مجرد حوادث فردية أو استثنائية طائشة، بل كانت جزءاً أصيلاً من نمط ثابت ومتواتر ومتصل، يعكس الرؤية الصهيونية للواقع والتاريخ والآخر، حيث يصبح العنف بأشكاله المختلفة وسيلة لإعادة صياغة الشخصية اليهودية وتنقيتها من السمات الطفيلية والهامشية التي ترسخت لديها نتيجة القيام بدور الجماعة الوظيفية. كما أنه أداة تفريغ فلسطين من سكانها وإحلال المستوطنين الصهاينة محلهم وتثبيت دعائم الدولة اليهودية الخالصة وفَرْض واقع جديد في فلسطين يستبعد العناصر الأخرى غير اليهودية المكوِّنة لهويتها وتاريخها. ولذا من الخلل بمكان أن نتحدث عن النكبة وكأن ما حدث في دير ياسين كان مجرد "حوادث" وقعت بسبب الحرب بين طرفين. يجب أن نسمي الأشياء بأسمائها، وما حدث لم يكن نكبة بل كان تطهيراً عرقياً تم حسب خطة منظمة مبيتة.ـ
والله أعلم....ـ

2011/05/14

فلنفاوض ولنقاوم - عبد الوهاب المسيري

لا يزال البعض يعتقد أنه يمكن القيام بحملة إعلامية بحيث يمكن إيجاد أصدقاء في الغرب، وفي أمريكا بشكل خاص، من أجل الوقوف إلى جانب قضايانا العربية والإسلامية والإنسانية العادلة. وأعتقد أن هذا رهان صعب. وابتداءً يجب أن نشير إلى أن إيجاد تفاعل وتعاطف في أوروبا أسهل منه في الولايات المتحدة الأمريكية، لأن الإنسان الأوروبي يتميز بقدر كبير من الثقافة والوعي. والصحف الأوروبية تنشر أخبارا عن العالم وتطوراته بشكل أكبر مما تنشره نظيراتها في الولايات المتحدة إلى حد ما، إلى جانب وجود اختلافات سياسية حقيقية بين الأحزاب التي تقوم بتوعية المواطنين. لكن مهمة خلق التفاعل والتعاطف، حتى داخل الولايات المتحدة، ليست مستحيلة. خذ على سبيل المثال ما حدث في الحرب الأمريكية على فيتنام، حيث كانت الأغلبية الساحقة من الشعب الأمريكي تؤيد في البداية التدخل الأمريكي في فيتنام، تحت ذريعة وقف ما سموه آنذاك بـ "الخطر الشيوعي"! وبالتدريج، ومع وصول جثامين من الجنود الأمريكيين إلى التراب الأمريكي، ومع تزايد الخسائر الأمريكية المادية، بدأت الجماهير الأمريكية تتراجع عن موقفها السابق وتخرج إلى الشوارع مطالبة الإدارة الأمريكية بسحب قواتها من فيتنام، إلى أن اضطرت الولايات المتحدة لسحب جيوشها وقوتها العسكرية من فيتنام وأن تنسحب صاغرة! ولنلاحظ أن الفيتناميين كانوا يقاتلون ويتفاوضون في ذات الوقت، وكانت الحركات المعادية للحرب في الولايات المتحدة تقوم بعملية توعية بما يحدث من خلال الإعلام. وقد طورت مصطلح "الحوار المسلح" الذي ينطلق من تصور أن الشعوب التي تدور في إطار علماني مادي استهلاكي لا تدرك العالم إلا بحواسها الخمس، ولذا فهي شعوب وثنية لا عقلانية لا يمكن إيقاظها من خلال الإعلام وحده، كما يتصور البعض، وإنما من خلال سياسة متكاملة فنبعث لهم رسائل مسلحة عن طريق المقاومة المسلحة المستمرة، ورسائل شبه مسلحة مثل التلويح بقطع البترول ونقل رؤس الأموال العربية. وتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، ومنع مرور السفن الحربية من قناة السويس. لكن لابد وأن يواكب هذا رسائل توضح وجهة نظرنا، مضمونها أنه يمكن للشعب الأمريكي التعايش معنا إذ لا يوجد مبرر للصراع أو للمواجهة المسلحة، إذ يمكن توظيف رؤوس الأموال الأمريكية في العالم العربي واستيراد السلع من الولايات المتحدة على أن يتم ذلك في إطار من التبادل العادل، كما يجب أن نؤكد أن المواجهة المسلحة لن تفيد إلا الاحتكارات والشركات الكبرى ومصانع السلاح والدولة الصهيونية.

وكما أسلفت المواجهة مع الولايات المتحدة أصبحت صعبة، ولكنها ليست مستحيلة، بمعنى أن العرب لو قرروا ضرب مجموعة من السلع الأمريكية بعدم شرائها فإن أصحاب المصانع المنتجة لهذه السلع سيتحولون إلى "لوبي" يعمل لصالحنا. ويمكن استبدال هذه السلع بسلع يتم استيرادها من فرنسا أو ألمانيا أو اليابان أو الصين أو الهند، أو ربما تشجيع بعض رؤوس الأموال العربية على تصنيعها محليا. أما الثروات العربية في المصارف الأمريكية والتي تقدر حسب ما سمعت بـ 700 بليون دولار، مما يمثل دعما قويا للدولار الأمريكي، فيمكن سحب 10% من هذه الأموال في إشارة واضحة للغضب العربي والإسلامي، كما يمكن الاكتفاء بالتلويح بذلك، هذه كلها رسائل للشعب الأمريكي أن يعيد النظر في مواقف حكومته المتحيزة ضد العرب. 

والمواجهة لابد أن تتم على مستوى شعبي أو حكومي، فإذا كانت الحكومات غير قادرة على المواجهة، فيمكن أن تقوم بها الجمعيات المدنية. ولكن يجب أن نتذكر وأن نذكِّر أنفسنا أن انسحاب أمريكا من العراق سيكون له أعمق الأثر عليها، فالحلم الإمبراطوري سوف ينتهي وسيؤثر هذا على إسرائيل التي عاشت دوما في داخل إطار الحرب: الحرب الباردة، ثم الحرب ضد الشيوعية، ثم الحرب ضد القومية العربية، ثم الحرب على الإرهاب، فإذا انكمشت الولايات المتحدة الأمريكية وطورت سياسة خارجية جديدة غير مبنية على التدخل في شئون الآخرين ولا تحاول الهيمنة على العالم، فإن إسرائيل سوف تجد نفسها في أزمة حقيقية، فمقومات وجودها ستتلاشى. أقول إنها مسألة صعبة للغاية ولكنها مع هذا ليست مستحيلة. ويجب أن نتذكر أنه بوسع الولايات المتحدة أن تحاول الهيمنة عن طريق توقيع اتفاقيات مع بعض الحكومات "الصديقة" وإنشاء قواعد عسكرية فيها، أي أن التغيير لن يكون حقيقياً، فهو تغيير في الآلية وليس في الهدف النهائي. 

وعادة ما يميز الخطاب العربي ( وحتى الإسلامي) بين الشعب الأمريكي والإدارة الأمريكية، بل ويقال بأننا مع الشعب الأمريكي وضد حكومته وآلته العسكرية. لكن هذا الشعب" الطيب" و"الفطري"، لا تستفزه ما تقترفه حكومته من جرائم في حق شعوب العالم، ولا يثور عليها، ولا يستعمل الآليات الديمقراطية كوسيلة لتنحية هذه الإدارة المعادية للإنسان، وهذا وضع غريب يحتاج للتفسير.

وأذهب إلى أنه قد حدث تقسيم للعمل في الولايات المتحدة بحيث تخصصت النخبة الحاكمة والحكومة الفيدرالية في مسائل الدفاع ومسائل الأمن والسياسة الخارجية، وتركت للجماهير كل الأمور الأخرى مثل المطافي والبريد والتعليم والرعاية الصحية ومدى نقاء مياه الشرب وبعض قضايا الأمن الداخلي مثل المرور وتزايد معدلات الحرارة، وكل ما يتخذ في هذا المجال يتم من خلال إجراءات ديموقراطية صارمة. أما القرارات السياسية الكبرى (السياسة الخارجية- ميزانية الدفاع- ميزانية المخابرات) التي تحدد مصير الأمة، فقد تُركت للنخبة الحاكمة (التي تسيطر عليها المصالح الصناعية والعسكرية) تفعل فيها ما تشاء حسب أولوياتها وحسب ما تمليه مصالحها وليس مصالح الشعب الأمريكي. 

وتعكس الصحافة الأمريكية هذا التقسيم للعمل، فالأخبار العالمية والتحليلات السياسية تنشر أساسا في جرائد ومجلات النخبة مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست. أما الجرائد الشعبية والمحلية والـ tabloids التي تقرأها الجماهير، فهي تشير إلى "العالم" في نصف عمود، أما بقية الجرائد فهي تنشر الفضائح والأخبار الخاصة بالجماعة المحلية، والجزء الأكبر مخصص لأخبار النجوم وفضائحهم وللإعلانات والأوكازيونات وكوبونات الخصم وهكذا. (لا أنسى يوم 6 يونيه سنة 1967 حين نشرت الصحيفة المحلية في المدينة التي كنت أقطن فيها في الولايات المتحدة خبر اندلاع الحرب في بضعة سطور، أما الصفحة الأولى فكانت تحمل أخبارا عن افتتاح طريق جديد!). وجاء في إحصائية طريفة أن 24% فقط من الأمريكيين نجحوا في أن يذكروا اسم رئيسي جمهورية سابقين، بينما بلغ عدد الذين يعرفون أسماء الأقزام السبعة في قصة سنووايت 77%. ولذا من النادر أن تقابل أمريكياً يعرف آليات صنع القرار السياسي في بلاده، أو الهدف من القرارات التي اتخذت في مجال السياسة الخارجية. وفي غياب أحزاب سياسية لها برامج مختلفة توعي المواطن وتثقفه سياسيا، يقع هذا المواطن الأمريكي العادي فريسة سهلة للإعلام ولتقسيم العمل الذي فُرض عليه وجعله غير قادر على فهم سياسة بلده الخارجية وتدخلها العسكري في كل أرجاء المعمورة، خاصة وأنه يتم تبرير عمليات الغزو العسكري والتدخل السياسي في شئون الدول الأخرى من خلال خطاب عالي النبرة ممتزج بلون قومي أمريكي فاقع له أبعاد أخلاقية، فيتحدثون عن "القيم الأمريكية" مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان وحماية الأمن القومي الأمريكي. كما أنهم يلجأون لتخويف المواطن الأمريكي، من عدو ما، كان في مرحلة من المراحل هو الشيوعية وأصبح الآن الإرهاب الإسلامي! ورسّخوا في وجدانه أن هذا العدو يكره الديموقراطية ويحقد على الأمريكيين بسبب أسلوب حياتهم ومعدلات الاستهلاك العالية التي يتمتعون بها، ولذلك عادة ما تبدأ الاحتجاجات على سياسة أمريكا الخارجية في الجامعات بين المثقفين الذين يدركون طبيعة الأكاذيب التي تطلقها النخبة الحاكمة. وتنتقل بعد فترة ليست بالقصيرة إلي الشوارع بين الجماهير العادية. 

والله أعلم.

2011/05/11

في الدفاع عن الهوية - المسيري


يرى البعض أن هناك استهدافاً للهوية العربية بحد ذاتها أو بشكل خاص، ولكنني أذهب إلى أن هذا القول صحيحاً وغير صحيح فى الوقت ذاته، فهناك ما يهدد الهوية على الصعيد العالمي، حيث أفرزت الحضارة الغربية ظواهر تهدد ظاهرة الإنسان نفسه، من أهمها ما أسميه الاستهلاكية العالمية التي تضرب صميم ثوابت الإنسان وأخلاقياته. لقد ظهر في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة حضارة جديدة تتميز بالبرجماتية بمعنى أنها تفضل السهل على الخيّر والجميل. هذه الحضارة حققت انتشاراً غير عادي وأصبح يطلق عليها اسم النظام العالمي الجديد، وهى ترجمة لنظرية أن الناس هم مجموعة من البشر ليست لها هويات محددة، وما يهم هو الوفاء باحتياجاتهم المادية المباشرة، وبذلك اختفى المشروع الخاص وحلت محلة حضارة الكوكاكولا والهامبورجر! ومع تآكل الهوية، يزداد التراخي الإنساني، وتزداد النزعات الذرية في المجتمع، وتصبح الهجرة إلى الخارج أو السطو على بنك أو شراء ورقة يا نصيب هو الحل، وأصبح من الصعب أن نطلب من الجماهير أن تستيقظ مبكرة وأن تضحي بنفسها وأن  تؤدي عملها في غياب مثل أعلى!! لابد أن يدرك الناس أن الهوية ليست مجرد فولكلور ولكنها فى واقع الأمر تعبير عن رؤية كاملة للكون. فالناس تستيقظ كل يوم لأداء عملها لتحقيق هدف ما، ولكن بدون وجود هدف تصبح عملية الاستيقاظ عملية بيولوجية خالية من المعنى. بينما أعتقد أنه في ظل وجود مشروع حضاري يعبر عن الهوية وعن رؤية الكون يصبح الاستيقاظ فعل إنساني يسهم في بناء الوطن.

ومع هذا هناك عوامل تهدد الهوية العربية على وجه الخصوص منها أن حضارة الصورة بدأت تحل محل اللغة المكتوبة أو الشفهية، والعرب لم يتملكوا بعد ناصية هذه اللغة الجديدة، ولذا فإن الأفلام الأمريكية والفيديو كليبات (التى تعبر عن رؤية للكون لا تكترث كثيراً بالهوية أو بمجموعة القيم المرتبطة به) تكتسح الإنسان العربي وتقوضه.

كما أن أكبر تهديد للهوية العربية هو الدولة الصهيونية لأن مشروعها هو بعث ما يسمى "الهوية اليهودية"، وهذا يتطلب تفتيت الهوية العربية ومحوها. ومن هذا المنظور الصهيوني لابد من العودة إلى ما قبل الإسلام، حيث كانت هناك هوية آشورية وفرعونية وفينيقية، ومن هنا الدعوة للعودة إلى الحضارة الفرعونية، وإلى الحضارة الفينيقية في لبنان والحضارة الآشورية البابلية في العراق! وهذه كلها حضارات متحفية جميلة لكنها ليس لها امتداد في الحاضر. ولكن الدولة الصهيونية تريد أن يصبح الشرق الأوسط مقسم إلى دويلات أثنية ودينية وعرقية، ومن ثم تصبح الدولة العبرية مسألة طبيعية للغاية، لأنه داخل التشكيل الحضاري العربي فإن مثل هذه الدولة تصبح كيانا دخيلا شاذا! وقد ترجم المخطط الصهيوني نفسه في الآونة الأخيرة إلى فكرة السوق شرق الأوسطية ثم مشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث يتم تفتيت الهويات، لتظهر الهوية العبرية وتقوم بقيادة المنطقة وتوظفها لصالح الغرب.

هناك كذلك محاولة لضرب الفصحى، وعاء الذاكرة التاريخية، وبدون هذه الذاكرة التاريخية وبدون الفصحى يتحول الإنسان العربي إلى الإنسان ذي البعد الواحد الذي يمكن التنبؤ بسلوكه ويمكن توجيهه ليستهلك السلع التي تنتجها له الشركات عابرة القوميات والحدود والهويات. أما الإنسان الذي لا يدخل ضمن هذه المنظومة فإنه إنسان غير استهلاكي وبالتالي فهو بوسعه مقاومة هذه المنظومة.

لكل هذا لابد أن نتصدى للجهود المبذولة لتفتيت الهوية، فلابد أن نبين لجماهيرنا أن الهجوم على الهويات هو إحدى السمات الأساسية للنظام العالمي الجديد، وأن الهجوم على الهوية العربية هو إحدى البنود الأساسية فى المخطط الاستعماري بالنسبة لعالمنا العربي، وأن نبيّن لهم ضرورة التمسك بالهوية، وأنها ليست مجرد زخرف جميل، وإنما مكون أساسي من شخصيتنا القومية، وأن التنمية بدون تفعيل الهوية أمر مستحيل. وحيث أن منتجات الحضارة الغربية (الأفلام- الفاست فوود- الاستهلاكية) هى التى تهدد هويتنا، يصبح من الضروري أن نبيّن الجوانب المظلمة للحضارة الغربية ولمنتجاتها التى تُصدّر لنا والتى نبتلعها ونهضمها بسهولة بالغة. ومن هنا ضرورة قيام وكالة أنباء عربية متخصصة تعمد إلى رصد هذه الحضارة، بعيدا عن تأثير الإعلام الغربي، وتبيّن الثمن الفادح الذى يدفعه المواطن الأمريكي بسبب سياسات الحكومة الأمريكية. كما يجب أن نطرح مفهوماً للوحدة غير العضوية فيما أسميه "الوحدة الفضفاضة" التى تفسح المجال أمام كل الجماعات الإثنية والدينية أن تعبر عن هويتها، طالما أن هذا التعبير لا يفت في عضد سيادة هذه الدولة. فالنظام التعليمي -مثلا- ينبغي أن يقبل بالتعددية. والوحدة الفضفاضة هذه تسمح لكل دولة أن تدخل في إطار الوحدة العربية دون أن تفقد ما يميزها. فالمغرب -على سبيل المثال- بلد عربي إسلامي، يتسع لجماعات أخرى مثل الجماعات الأمازيغية. والعراق بلد عربي إسلامي يتسع للسُنَّة والشيعة والأكراد والتركمان.

وأعتقد أن نموذج مصر نموذج جيد لهذه الوحدة الفضفاضة، فرغم كل الأحداث (الأخيرة)، يظل أقباط مصر لهم عقيدتهم وهويتهم، ويظلون جزءاً من المجتمع المصري. إن فرض مفهوم الوحدة العضوية يؤدي إلى العنف والصراع، أما مفهوم الوحدة الفضفاضة فسيخلق لكل جماعة فضاءها الحضاري الخاص بها، وسيندرج الجميع داخل إطار التشكيل الحضاري العربي. ولعل ما حققته الدول الأوربية من خلال الاتحاد الأوربي قد يكون نموذجا نسترشد به.

وقد فشلت مشاريع النهضة العربية فى العصر الحديث لأنه، مع الأسف، لا يزال البعض يرى أن جوهر المشروع النهضوي العربي هو التخلي عن هويتنا وتراثنا ثم اللحاق بالغرب. وقد أدى هذا إلى إسكات حاستنا النقدية في علاقتنا بالغرب، ونكتفي بنقل ما يأتينا من أفكار. لننظر مثلا موقفنا من الحداثة؟ هناك من السلفيين من يرى ضرورة رفض كل ما يأتينا من الغرب، وهناك الأصوليين العلمانيون الذين يرون ضرورة (وأحياناً حتمية) تبني منظومة الحداثة الغربية، بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، وكأننا كائنات متلقية تستوعب كل ما يأتينا من الغرب دون أن نعمل ملكتنا النقدية؟ ألا يمكن أن نُخضِع هذه الحداثة الغربية لعملية نقد وتقييم صارمة، فنبيّن جوانبها المظلمة، ثم نطرح رؤيتنا لحداثة إنسانية إسلامية تضم الجميع، ولا تجعل من تصاعد معدلات الاستهلاك مؤشراً يتيماً على التقدم؟

بل فلننظر إلى ما فعلنا مع مدرستين فكريتين مثل البنيوية والتفكيكية. لم يسأل أحد لماذا أصبح الغرب بنيويا معاديا للإنسان؟ لقد تعلمنا قديما الإنسانية الهيومانية من الغرب، فلماذا قرر الغرب فجأة في الستينيات أن يعادي الفكر الإنساني الهيوماني، ويرى أنه ملوث بالميتافيزيقا؟ ماذا حدث لتأتي التفكيكية وتعلن انتهاء المعنى وفشل اللغة، وموت المؤلف؟ لقد تحولنا إلى ناقلين، وعندما ينظر أحدنا إلى كتاب نقد أدبي غربي فإنه ينقل ما فيه بأمانة شديدة، ولا يسأل: إلى ماذا سيؤدي هذا المفهوم، وما مغزاه، وما هي المفاهيم الكامنة فيه؟
وقد لوحظ فى الآونة الأخيرة استقطاباً واسعاً فى الساحة المصرية حول طبيعة هوية مصر، إذ ظهر مرة أخرى دعاة العودة إلى الفرعونية، والذين ينادون بأن "مصر أولاً". وفى تصوري أن هؤلاء لا يفهمون لا حقائق الجغرافيا ولا حقائق التاريخ. ولعلهم لو قرأوا جمال حمدان لفهموا بعض هذه الحقائق، ولعرفوا أن هم الاستعمار الغربي هو فصل مصر عن الجسد العربي، فيتهاوى الجميع سويا. وهذا كان هو هدف معاهدة كامب ديفيد. ألا يتم تقسيم العراق والسودان ولبنان ومحاصرة فلسطين، و "مصر أولاً" جالسة تراقب، وتلعب دوراً ذيلياً غير مؤثر غير مدركة أن كل هذا يهدد أمنها القومي؟ إن مصر (وفلسطين) من أهم البلاد فى العالم من الناحية الاستراتيجية، ولكن بنيتهما التحتية السكانية والاقتصادية لا تمكنهما من الدفاع عن نفسيهما. ولذا حين كانت تحدث نهضة فى مصر كان لابد وأن تدافع عن جناحها الشرقي وتوطد صلتها ببقية العالم العربي، حتى يتحدث الجميع بصوت واحد أو تتحدث مصر باسمهم. هذا ما فعله الفراعنة، وهذا ما فعله إبراهيم باشا فى العصر الحديث، ثم جمال عبد الناصر. ولذا كانت مواجهته مع الاستعمار مواجهة شرسة، انتهت بضربة 67. ثم أطلت الفرعونية و"مصر أولاً" برؤوسها تعبيراً عن هذه الهزيمة، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه.  

ويسأل البعض متى تستعيد مصر دورها الثقافي، وهل هذا له علاقة بقضية الهوية؟ وللإجابة على هذا السؤال لابد أن أوضح أمرين: أولاً يجب علينا أن ندرك أن العالم العربي لم يعد كما كان في منتصف القرن الماضي. ففي الخمسينيات كان يوجد مركز قوي وكثيف للثقافة العربية هو القاهرة، وكانت الأطراف ضعيفة. أما الآن فالأطراف لم تعد ضعيفة إذ يوجد مراكز ثقافية عديدة في العالم العربي من أهمها المغرب وسوريا والعراق قبل الاحتلال ولبنان والسعودية. لقد أقمت فى السعودية عدة أعوام وتعرفت على النشاط الثقافي الثري فيها وعلى مجموعة من المثقفين الذين يتمتعون بمستوى عالٍ من المعرفة والإبداع. كما أننا نعرف جميعاً الإبداعات الفكرية التى تأتينا من المغرب وتؤثر فى كثير من الشباب المصري. كما أنني على علاقة طيبة بكثير من المثقفين والناشرين السوريين وأعرف إسهاماتهم الثرية الكثيرة.

ثانيا يجب أن ندرك أن مصر لن يمكنها أن تستعيد دورها القيادي الثقافي داخل هذا الوضع الجديد فى العالم العربي، حيث لا مركز ولا أطراف، أو أطراف قادرة على الإبداع والإسهام، إلا بعد أن تعرِّف هويتها، ونحن إن عرفّنا هويتنا سيكون بوسعنا أن نعرّف أولوياتنا وأن نقرأ ماضينا وحاضرنا، ومن ثم يمكن أن نتحرك نحو المستقبل. كما أنه إن عرفّنا الهوية فيمكن أن نجند الجماهير لتحقيق مشاريعنا نحو التطوير والتنمية والتحديث. فالإنسان لا يستجيب للقانون العام، وإنما يستجيب لما هو متعين وخاص، إذ بوسعه أن يستوعبه ويستبطنه ثم يتحرك في إطاره. إن أي مشروع للتنمية يتطلب قدرا من الإرجاء لإشباع الرغبات حتى يتحقق قدرا من التراكم. هذا الإرجاء ممكن في إطار مشروع قومي يتجاوز الفرد واحتياجاته المادية المباشرة وهمومه اليومية الخاصة. فبوسع الإنسان أن يحرم نفسه من الإشباع المباشر والفوري في إطار مثل أعلى سيحقق له، ولأولاده من بعده، قدرا من السعادة الآجلة. لكي تقود مصر المنطقة العربية لابد أن تحدد هويتها.

وأنا أتساءل هل مصر بمكوناتها الحالية مرشحة لهذا الدور، أم أننا على مشارف تآكل هذه الهوية؟ وسوف أجيب على كل هذه التساؤلات بصراحة فأقول "أنا متشائم!!" لأن التوجه الآن في مصر هو توجه برجماتي عملي، فنحن نحاول أن نجد حلولا لبعض المشاكل الملحة مثل مشكلة الغلاء، أو المواصلات، أو المساكن، أو الميزان التجاري أو العطش دون أن نضع استراتيجية عامة، ولا يمكن وضع مثل هذه الاستراتيجية إلا بعد أن نعرّف هويتنا ومرجعيتنا النهائية. وأنا أزعم أن هذا المشروع الحضاري الذي يستند إلى تعريف للهوية غائب عن مصر. فالهوية المصرية على المستوى المصري أو العربي أو الإسلامي ستزداد ترهلا وميوعة!!

والله أعلم.

2011/05/10

إدارة الملف الطائفى - معتز عبد الفتاح


هل مصر مصابة بالكحة، بنزلة شعبية، أم بسرطان فى الرئة؟

ماذا عن الصومال أو العراق أو لبنان؟

أردت بطرح هذا السؤال أن أخفف شيئا من ضغط اللحظة الراهنة، وهى لا شك لحظة حزينة أن يقتل مصريون مصريين شركاء لهم فى الوطن. هى سحابة صيف ثقيلة الظل ولكنها ليست أصل العلاقة بين مسلمى مصر ومسيحييها. إذن سرطان الطائفية بعيد عنا، ولكن هذا لا يعنى أنها مجرد كحة ستزول فى أسبوع، وإنما هى نزلة شعبية حادة امتدت لنحو 40 سنة لأن الدولة فشلت فى أن تخلق وتلتزم بثقافة المواطنة.

كيف نقضى على تلك النزلة الطائفية الحادة التى نعيشها. أقترح أربعة مسارات يمكن التحرك فيها للقضاء على هذا المرض النازل بنا.

أولا، مسار التثقيف والتوعية من أجل عدم شيطنة الآخر، حيث لابد من بذل كل الجهود من قبل علماء الدين الإسلامى والمسيحى لإدانة ما حدث باعتبار أنه ليس من الإسلام أو من المسيحية وإنما هو خروج على تعاليمهما. والهدف هو منع انتشار العدوى إلى مناطق أخرى.

ثانيا، مسار الإدارة المؤسسية للاحتقان الطائفى، ألا يبدو غريبا أن البلد كله رهن بأى قرار يتخذه شخص مسلم أو مسيحى بالتحول من ديانته وكأنها دعوة لأن يدفع العشرات من أبناء الديانتين لثمن قرار اتخذه شخص ما. والأصل فى الأمور أنها مسألة فردية ولكن يبدو أن المجتمع المصرى غير قابل هذا بالقدر اللازم. والسؤال لماذا لا تتم عملية تغيير الدين مؤسسيا من خلال لجنة عليا يتم تشكيلها فى كل محافظة كى تكون شاهدا على عملية التحول من ديانة إلى أخرى؟ وتضم هذه اللجنة فى عضويتها علماء دين من الديانتين وعددا من الأشخاص المدنيين والمسئولين للتصديق على عملية التحول. وكأن هؤلاء هم شهود الدولة على أن الشخص تحول عن ديانته. والهدف هو عدم ترك مثل هذه الحوادث كى تكون تهديدا متكررا للأمن القومى والوحدة الوطنية. والأمر لا يبنغى أن يكن بعيدا عن القانون الموحد للبناء الذى يأخذ فى الاعتبار عدد أتباع كل ديانة فى المنطقة الجغرافية التى يغطيها المسجد أو الكنيسة. والحقيقة أن المصريين فى بعض المناطق قد يكونون بحاجة للمصانع والمدارس والمستشفيات أكثر من دور العبادة.

رابعا، مسار العمل الإعلامى عبر منع الأكسجين الإعلامى عن الفتنة، وأنا أقترح على رؤساء تحرير الصحف الخاصة والعامة ومعهم المواقع الإلكترونية والبرامج التليفزيونية أن يمنعوا الترويج الإعلامى لثقافة الاستقطاب الطائفى والفتنة بمنع نشر أخبار مثل هذه الأحداث من أجل منع أو تقليل أن يؤدى الزخم الإعلامى إلى أنماط سلوكية متكررة.

خامسا، المسار الأمنى، من المفهوم أن القوات المسلحة لا تريد أن «تستفز» أو «تستدرج» إلى مواجهات مع المدنيين حتى لا تسجل كسابقة تاريخية، ولكن واضح أن الشرطة عاجزة حتى الآن عن القيام بمهامها كاملة. وعليه فأقترح أن تقوم الشرطة العسكرية بمهام الشرطة المدنية بتغيير زيها وارتداء زى الشرطة (مع الاحتفاظ بالقبعة الحمراء) لإعادة الانضباط والتعامل بحسم مع الانفلات الأمنى سواء الطائفى أو غيره.


أيكون الخوف عنوانًا للمئوية الثانية؟ - فهمي هويدي




إذا جاز لنا أن نقول بأننا عشنا «السكرة» فى المائة يوم الأولى من عمر الثورة المصرية، وأننا أفقنا على «الفكرة» مع تباشير المائة الثانية، فهل يجوز لنا أن نقول بأن النشوة والأمل كانا من عناوين الأولى، وأن «الخوف» مرشح لأن يصبح عنوانا للثانية؟
(1)

إذا قال قائل إن الحكم على الثورة بعد مائة يوم من نجاحها لا يخلو من تعسف وتعجل فلن اختلف معه. ذلك أنه إذا جاز إعمال العرف الذى يقضى ببدء محاسبة أى حكومة جديدة تشكل فى ظل أوضاع مستقرة بعد مائة يوم، فإن ذلك لا يجوز حين يتعلق الأمر بثورة شعب أسقط نظاما عاتيا هيمن طوال ثلاثين سنة على مقدرات بلد كبير مثل مصر، وتعين على السلطة الجديدة أن تزيل آثار العدوان على كرامة الشعب الذى تجاوز تعداد سكانه ثمانين مليون نسمة، وأن تضع الأساس لبناء نظام جديد يلبى أشواق تلك الملايين.

ذلك أفهمه، وأعرف أيضا أن القلق وربما الخوف من المشاعر الطبيعية التى تنتاب الكثيرين عقب كل تحول جذرى يهز المجتمع ويقلب أوضاعه، سواء كان ثورة أو حربا أو زلزالا. أعرف كذلك أن الأوضاع لم تستقر بعد قيام الثورة الفرنسية إلا بعد مضى عشر سنوات (من 1789 إلى 1799)، عانت البلاد خلالها من مختلف مظاهر الفوضى والصدامات الدموية. إلا أن الحاصل أن أصواتا عدة ارتفعت فى مصر عبرت عن الخوف مما يجرى خلال الأسابيع الأخيرة، التى واكبت نهاية المائة يوم الأولى. فقرأنا كتابات عدة تحدثت عن سرقة الثورة وإجهاضها واحتمالات تصفيتها. وحذرت كتابات أخرى من ألاعيب فلول النظام السابق، ومن تفريغ الثورة من مضمونها بحيث تتبخر روح يناير، لتلحق بروح حرب أكتوبر التى تبخرت. وعبر البعض عن خشيته من تحول الثورة إلى «فولكلور» يحتل مكانه فى الذاكرة، دون أن تصبح واقعا يترجم على الأرض، إلى غير ذلك من الرسائل التى تشترك فى ثلاثة قواسم مشتركة هى: أنها أصدرت أحكاما يغلب عليها التشاؤم، وأنها ركزت على النصف الفارغ من الكوب وتجاهلت النصف الملآن، كما أنها سلطت الضوء على الحوادث التفصيلية التى تناولتها الصحف ولم تلق بالا للتحولات الاستراتيجية التى حدثت فى البلد.
(2)

لا يستطيع أحد أن ينكر أن الإعلام لعب دورا أساسيا فى إشاعة مناخ التوجس والخوف، سواء عن طريق المبالغات التى كثيرا ما يلجأ إليها، أو الشائعات التى تسعى بعض صحف الإثارة لترويجها، خذ مثلا ما حدث بقنا فى شهر أبريل الماضى، حين اشتبك بعض الأشخاص مع رجل تصادف أن كان قبطيا وقيل إنه يمارس أفعالا منافية للآداب، وأثناء الاشتباك أصيبت أذنه بقطع، فنشرت إحدى الصحف على صدر صفحتها الأولى أن السلفيين طبقوا الحد على الرجل وقطعوا أذنه. وكان النشر بهذه الطريقة نموذجا لسوء التقدير وتعمد الإثارة، لأنه لا يوجد حد فى الشريعة بهذا الخصوص، ثم إن الذين اشتبكوا مع الرجل كانوا أكثر من عشرة أشخاص بينم سلفى واحد، وجاء تحركهم غيرة على الشرف فى الصعيد بأكثر منه غيرة على الدين. والمدهش فى الأمر أنه بعد اتضاح الحقيقة فإن بعض الكتاب لايزالون يستشهدون بالحادث بتفاصيله المضللة، ومنهم من أصبح يتحدث عن «تقطيع آذان الأقباط». الأمر الذى لابد أن يؤدى إلى إثارة مخاوفهم وترويعهم. هذا التلفيق حدث أيضا مع خبر مكذوب تحدث عن رفع السلفيين الأعلام السعودية فى أحد مساجد قنا. ورغم أن الخبر لا أصل له، فإن البعض لايزال يتداوله ويناقشه باعتباره حقيقة وقعت بالفعل.

لم ينافس أخبار تخويف الأقباط غير شائعات إثارة الفزع من الجماعات الإسلامية من خلال بث الأخبار المكذوبة، التى تحدثت مثلا عن خطف الفتيات غير المحجبات من الشوارع. وتآمر المملكة العربية السعودية لمساعدة وتمويل التيارات الإسلامية لاكتساح الانتخابات القادمة، فتحدثت بعض الصحف عن مخطط لتسريب 3 مليارات دولار إلى داخل مصر لهذا الغرض، ولأن الكلام بالمجان فقد رفع آخرون الرقم إلى خمسة مليارات، لا أحد يعرف كيف يمكن أن تدخل إلى البلد، ولا كيف ستصل إلى أهدافها. وإلى جانب هذه الرسائل المريبة ثمة رسائل لا حصر لها تتحدث عن التأهب لإقامة الحكم الإسلامى وتطبيق الحدود الشرعية، وكانت تلك مقدمات أثارت جدلا واسعا حول المخاوف من إقامة الدولة الدينية، وعن ضرورة إقامة الدولة العلمانية، لتتولى التصدى لـ«تسونامى» تلك الدولة التى يتخوفون منها.

إلى جانب التحريف والاختلاق كانت هناك المبالغات التى عمد أصحابها إلى اصطياد الأخبار والتصريحات والنفخ فيها لتوسيع دائرة الخوف والقلق. وركزت تلك المبالغات على موضوعين أساسيين هما: موقف الجماعات الإسلامية والعلاقة مع الأقباط. فحين يتورط بعض السلفيين فى هدم ضريح فى إحدى محافظات الدلتا يصور الأمر بحسبانه اجتياحا سلفيا يهدد ضريح الإمام الحسين والسيدة زينب وجمال عبدالناصر، وحين تعلق لافتة يتيمة فى الإسكندرية تعتبر التصويت لصالح التعديلات الدستورية واجبا شرعيا، لا أحد يذكر الخبر كما هو، ولكن تقوم الدنيا ولا تعقد بدعوى أن الإخوان يستخدمون الدين للتصويت لصالح الاستفتاء. «لا أحد يشير إلى أن الكنيسة القبطية طلبت من رعاياها معارضة التعديلات». بنفس الأسلوب تم التعامل مع أخبار الأقباط، فإذا اختلف اثنان لأى سبب وقتل المسلم قبطيا عُد ذلك اضطهادا يبرز على الصفحات الأولى من الصحف، وسببا قويا لتجديد الدعوة إلى علمنة الدولة والمطالبة بإلغاء المادة الثانية من الدستور «التى تتحدث عن مرجعية مبادئ الشريعة الإسلامية»، أما إذا قتل المسلم لأنه تزوج من قبطية غيرت دينها كما قتل أولاده منها، فإن ذلك يعد خلافا عائليا يرحل إلى صفحات الحوادث الداخلية!
(3)

هذه التعبئة الإعلامية وسعت من دائرة الخوف فى المجتمع. وكانت الثورة، قد استصحبت مخاوف لها أسبابها المفهومة، فثمة خوف حتى من تداعيات الموقف الاقتصادى، خصوصا بعدما تبين أن مصر تخسر شهريا ثلاثة مليارات من الدولارات، وثمة خوف لدى المستثمرين الذين أوقفوا استثماراتهم أو سحبها بعضهم تحسبا للمستقبل. وهذا الخوف كان ولايزال له صداه فى البورصة التى انخفضت أسعار الأسهم فيها، هناك خوف آخر لدى أصحاب المصانع المحلية من الإضرابات العمالية التى طالبت بتعديل الأجور، كما أن البلطجية والهاربين من السجون أشاعوا درجات مختلفة من الخوف خصوصا فى المدن النائية وأحياء الأطراف.

إضافة إلى كل ما سبق أشاع الاصطياد والترويع الإعلامى أسبابا أخرى للخوف. خوف الأقباط من المسلمين عامة والسلفيين بوجه أخص. وخوف العلمانيين من الإسلاميين، وخوف المتصوفة من السلفيين، وخوف الجميع من فلول النظام القديم.

أسوأ ما فى هذه المخاوف أنها زعزعت ثقة الناس فى مستقبل الثورة، وأنها صرفتهم عن مشروعها الأساسى الذى بدأ طامحا للدفاع عن الحرية والعدالة الاجتماعية. هذا الانفراط ضرب الإجماع الوطنى حتى كاد يقسم البلد ويوقع بين قواه الحية، ليس ذلك وحسب، وإنما تحولت هذه الحزمة من المخاوف إلى عناصر توحى بعدم استقرار المجتمع، وإلى قوة طرد للاستثمار الأجنبى وللسياحة.
(4)

فى تحليل ملابسات المشهد هناك أسباب منطقية تتصل بطبيعة التفاعلات التى تحدث عقب كل ثورة، أو تحول سياسى واجتماعى جلل من قبيل ما سبقت الإشارة إليه. وهناك أسباب تتحمل مسئوليتها النخبة صاحبة الصوت العالى فى الفضاء السياسى والإعلامى. إذ من الطبيعى أن تتأثر بصورة مؤقتة السياحة والاستثمار الأجنبى والبورصة إلى أن تستقر أحوال البلد ويطمئن أصحاب رءوس الأموال على ثرواتهم ويطمئن السائح إلى أن شيئا لن يفسد عليه عطلته. لكن من غير الطبيعى أن تشيع الفوضى فى البلد وأن يشوه الإدراك العام، بحيث ينفرط عقد المجتمع ويشيع فيه الانقسام، بما يفقده «بوصلته» الهادية.

العوامل الأولى لا نملك لها ردا ويفترض أنها محدودة الأجل فى كل الأحوال، أما الذى ينبغى أن نتصارح بشجاعة فى شأنه فهى تلك العوامل الثانية التى صنعناها بأنفسنا. فى هذا الصدد أزعم أن هناك طرفين يتحملان مسئولية إثارة الفوضى وشق الصف الوطنى، أحدهما خفى لا نراه يتمثل فى فلول النظام السابق وأى عناصر أخرى داخلية أو خارجية لها مصلحة فى ضرب الثورة، أما الطرف الثانى فظاهر فى الصورة ويتمثل فى عناصر النخبة المصرية المهيمنة على وسائل الإعلام، التى باتت تلعب دورا مهما فى تشكيل الإدراك العام، وفى الضغط على القرار السياسى.

فى تحليل هذا الدور الأخير، أزعم أن أول شرخ فى جدار الإجماع الوطنى بعد الثورة حدث بعد تشكيل لجنة تعديل الدستور، التى رأسها المستشار طارق البشرى وتبين أن من بين أعضائها رجلا قانونيا من جماعة الإخوان المسلمين. وهو ما فاجأ شريحة المثقفين الذين اعتبروا أن إقصاء الإخوان هو الأصل فى السياسة المصرية. وقد تعرض هذا القرار لهجوم شديد لايزال مستمرا حتى الآن، رغم أن اللجنة أنهت عملها ولم تعد قائمة منذ شهرين تقريبا. إذ لم يغفر للمجلس العسكرى هذه «الخطيئة»، وتجاهل كثيرون صفة الرجل القانونية وكونه كان عضوا باللجنة التشريعية بمجلس الشعب. وقد شاركت فى اجتماع للمثقفين مع ثلاثة من أعضاء المجلس العسكرى، تعرضوا فيه لنقد شديد من جانب بعض المثقفين بسبب ارتكاب تلك «الخطيئة»، حتى وجه إليهم اتهام بمحاباة الإخوان، وسئلوا عن عدد أعضاء المجلس الموالين للجماعة.

فى هذا الصدد أزعم أيضا أن بعض المثقفين حددوا موقفهم من رفض التعديلات الدستورية لمجرد أن للإخوان عضوا فى اللجنة وأن رئيسها لا ينتمى إلى الإخوان حقا، لكنه مسلم ملتزم ولا يعاديهم. وكان الجدل حول هذه النقطة مثار اللغط والطنين الذى أثاره المثقفون، حتى حين أيد التعديلات 77٪ من المصوتين وعارضها 22٪ فقط. ومنذ ذلك الحين حدث أمران، أولهما أن أعضاء المجلس العسكرى تجنبوا إشراك الإسلاميين فى أى تشكيل يصدرونه، لتفادى نقمة المثقفين وتشهيرهم. وكان ذلك أوضح ما يكون فى تشكيل المجلس القومى لحقوق الإنسان، حتى قلت إن الذى يدير الإعلام ويوجه السياسة منذ ظهرت نتائج الاستفتاء، هم عناصر الـ22٪ وليس أهل الـ77٪. الأمر الثانى، أن المجتمع انقسم على نفسه وأصبح هناك ما يمكن أن نسميه حربا باردة ثقافية وسياسية بين العلمانيين ومن لف لفهم فى جانب والإسلاميين فى جانب آخر. بحيث لم تعد القضية كيف تحقق الثورة أهدافها، وإنما كيف يمكن محاصرة التيار الإسلامى وإبعاد شبحه الذى يلوح فى الأفق من خلال دعوة الانحياز للدولة المدنية ضد الدولة الدينية، فى إعادة إنتاج لنموذج الخطاب الذى كان سائدا قبل 25 يناير.

إن التحدى الذى يواجه الثورة والوطنى الآن هو كيف يمكن أن يتفق الجميع على المشترك الذى يخرج البلد من أزمته السياسية الراهنة، التى لا تقل خطورة عن الأزمة الاقتصادية. إذ يبدو أن الأخيرة أخف وطأة، لأن صراع العلمانيين والإسلاميين يبدو أنه تحول إلى «عاهة» تستعصى على العلاج. وذلك سبب آخر للخوف، لأن الوطن سيكون الخاسر الأكبر فى هذه الحالة.

ثورة ضد الفهلوة - معتز عبد الفتاح

الذكى النجيب محمود، رحمة الله عليه، استخدم تشبيها جيدا لوصف علاقة المجتمعات المتخلفة بالعلم. عند هؤلاء يكون العلم مثل نقطة الزيت فى إناء الماء، تستطيع أن تميزها طافية على سطح الإناء لأن الزيت لا يختلط بالماء. أما الملح حين يذوب فى الماء يغير خصائصه؛ فالعلم يرتقى بالمجتمع والمجتمع يحترم العلم. وعليه فتعجب الفيلسوف العظيم من أن بعض المشتغلين بالعلم يرتدون معاطفهم البيضاء وهم فى معاملهم ويتصرفون بأدق تفاصيل المنهج العلمى المنضبط وهم يجرون تجاربهم؛ ولكن بعد أن تنتهى ساعات العمل يخلعون معاطفهم ويبدو أنهم يخلعون معها المنهج العلمى الذى كانوا يستخدمونه وكأن المنهج العلمى من لوازم «أكل العيش» مثل نقطة الزيت المتميزة على صفحة إناء الماء.

هل يمكن الزعم بأن بعضا ممن يناقشون شئوننا العامة حاملو علم وليسوا بعلماء؟ ولا أتذكر تحديدا من قال هذه العبارة: «محاولة استخدام العمل لعلاج مشاكل مجتمع لا يعترف بالعلم هى محاولة غير علمية فى حد ذاتها». وهذا حق.

إذن السؤال وكيف نعرف العالم من غير العالم؟

أولا: العالم متخصص. العلم الحديث لا يصلح فيه من يكتب ويتحدث فى كل شىء وكأنه يعرف كل شىء. مثلا أنا حصلت على ماجستير فى الاقتصاد أثناء إعدادى للدكتوراه فى العلوم السياسية لأننى لم أكن سعيدا بمستوى معرفتى فى هذا الحقل المعرفى، وما كان لى أن أجرؤ على كتابة كلمة فى هذا الحقل إلا بعد إجازة من نوع ما فى هذا المجال. ومع ذلك أنا آخر شخص مستعد أن يتحدث فى الاقتصاد إذا ما تحدث المتخصصون؛ إدراكا منى بجهلى.




ثانيا: العالم يدور فى علمه مع الدليل وليس الأيديولوجيا أو الأفكار المسبقة. العالم كالقاضى وليس كالمحامى الذى يجمع الأدلة التى تحمى موكله ويرفض أو يتجنب الأدلة التى قد تدينه.

ثالثا: العالم متفاعل مع بيئته راغب فى الحوار والنقاش فى المجال العام.

هناك قضايا كثيرة فى مجتمعنا ولا أعرف هل يستشار فيها العلماء أم لا. مثلا من هم القائمون على تحديد شكل النظام الانتخابى القادم؟ هل يشارك أساتذة النظم السياسية المقارنة فى هذه المسألة أم هى فقط قضية قانونية قضائية إجرائية؟

من الذى سيحدد مصير ممر التنمية الذى اقترحه العالم الفاضل د. فاروق الباز؟ هل هنا استشارة للاقتصاديين فى هذه المسألة؟ وماذا عن المشروعات الأخرى الكثيرة التى بدأت ثم توقفت؟

مثال ثالث، قضية الزيادة السكانية التى كلما كتب فيها أحد المتخصصين خرج عليه الرافضون مقارنين مصر بالصين مع ملاحظة أننا لا نملك ما عندها من موارد طبيعية. وحتى الصين تبنت سياسات ضابطة للزيادة السكانية حتى تستطيع النهضة بدءا من عام 1979. ولولا هذا، مع عوامل أخرى، لما أصبحت ثانى أكبر اقتصاد وأكبر دولة دائنة فى العالم.

أدعو أن نكوّن آراءنا بعد أن نقرأ للمتخصصين؛ هذا واجبنا. وليكتب هؤلاء المتخصصون؛ هذا واجبهم. ولنجعلها ثورة ضد الفهلوة، لو أمكن.


المصدر: الشروق

2011/05/09

أسئلة الهوية - المسيري


كي نفهم قضية الهوية حق الفهم لابد أن ندرك أننا لا نتلقى الواقع في موضوعية مطلقة سلبية تكتفي بالرصد والتسجيل، فالعقل الإنساني -كما أشرت- عقل توليدي يبقي ويستبعد ويضخم ويهمش ويضيف ويحذف. وتتم عملية الإبقاء والاستبعاد والتضخيم والتهميش والإضافة والحذف حسب نموذج إدراكي يشكل هوية الإنسان وهو في صميم رؤية للكون.

فهوية شعب ما تتشكل عبر مئات السنين من خلال تفاعله مع الطبيعة وبيئته الجغرافية ومع بني جلدته ومع الشعوب الأخرى. ولأن أعضاء هذا الشعب لا يعكسون الواقع كما هو، وإنما يتفاعلون معه (فعقولهم التوليدية تبقي وتستبعد وتضخم وتهمش)، فإن هويتهم تتشكل من خلال إدراكهم لما حولهم، ومن خلال تطلعاتهم ورؤاهم وذكرياتهم، فهي ليست مجرد انعكاس بسيط لبيئتهم. ومن هنا تكتسب الهوية فرادتها وتركيبيتها التي لا يمكن ردها إلى قانون أو نمط مادي.

ولكن عادة ما ينطلق الكثيرون من الرؤية المادية التي يسمونها "علمية"، فيدرسون الهوية في إطار النموذج المادي كما يفعل كثير من الدارسين في الغرب. واستخدام النموذج المادي يعني استخدام الحواس الخمس، كما يعني دراسة الظواهر الإنسانية كما تدرس الظواهر الطبيعية.

ومثل هذا المنهج يودي بالهوية تماماً، لأنه لا يتعامل مع الواقع إلا من خلال معايير مادية، وهي معايير عاجزة بطبيعتها عن رصد الهوية في كل تركيبيتها وفرادتها.

وقد أدى هذا المنهج إلى تعريف الإنسان باعتباره "الإنسان الطبيعي"، بمعنى أنه إنسان يتسم بسمات عامة "أضيفت" إليها الحضارة، أي أنها ليست أصيلة فيه.

وبذلك تتحول الهوية إلى مسألة مضافة آليا، مجرد زخرفة، وهكذا يصبح المشروع الإنساني هو العودة إلى الإنسان الطبيعي متجاوزين الزخارف الإضافية.

وهذه الفكرة عبرت عن نفسها في فكر حركة الاستنارة الغربية (التي نصفها بأنها عقلانية مادية) كما تعبر عن نفسها فكر العولمة، فالعولمة هي في جوهرها العودة إلى هذا الإنسان الطبيعي الذي لا يعرف الحدود ولا الهوية ولا الخصوصية، وليس عنده أي إدراك أو اكتراث بالقيم الأخلاقية والمعنوية مثل الكرامة والارتباط بالأرض والوطن والتضحية.

ولذا نجد أن خطاب العولمة يتحدث عن حرية انتقال السلع ورأس المال، والشركات عابرة القارات وحدود الدول، ولا يذكر شيئاً عن الثقافات أو الهويات المختلفة.

وحيث إن الإنسان الطبيعي هو ذاته الإنسان الاقتصادي، لذا فكل مطالبه وتطلعاته تظل داخل السقف المادي، وتظل الخلافات التي تنشأ بين الدول خلافات اقتصادية عامة يمكن التفاهم بشأنها وحلها داخل الإطار الاقتصادي المادي.


ونتيجة لهذا الفهم المادي المعاصر نجد أن الإدراك الغربي (والإدراك الذي ساد في العالم العربي) للهوية يتأرجح بين نقطتين ماديتين متناقضتين: الأولى نقطة صلبة تقوم على ثنائية قطبية حادة (أنا في مقابل الآخر) كما فعل النازيون والصهاينة في الغرب، وبعض السلفيين والقوميين المتعصبين وبعض دعاة القومية العربية، بعض الوقت.

أما الثانية فهي نقطة سائلة تذوب فيها الحدود والهويات، كما هو الحال الآن في إطار النظام العالمي الجديد.

وأقترح أن ننظر إلى الهوية باعتبارها صورة مجازية لا جوهرا صلباً ثابتاً، وأطرح فكرة الإنسانية المشتركة بدلا من فكرة الإنسانية الواحدة التي يطرحونها في الغرب، إذ الإنسانية المشتركة تذهب إلى أن كل البشر داخلهم إمكانيات لا تتحقق إلا داخل الزمان والمكان، وهي في تحققها تكتسب قسمات وهوية محددة!

فالإمكانية الإنسانية الكامنة حينما تتحقق في الزمان والمكان الصينيين فإنها تثمر الإنسان الصيني والإنسانية الصينية، وإن تحققت في الزمان والمكان الغربيَين أثمرت الإنسان الغربي والإنسانية الغربية.

وتحقق الإمكانية ليس أمراً حتمياً، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكن أن يرقى فوق إنسانيته ويمكن أن يهبط دونها.

وثمة علاقة بين الهوية والإبداع، فالإنسان الذي لا هوية له لا يمكنه أن يبدع، لأن الإنسان لا يبدع إلا إذا نظر إلى العالم بمنظاره هو وليس بمنظار الآخرين، لأنه لو نظر بمنظار الآخرين، أي لو فقد هويته وأصبح عقله في أذنيه، فإنه سيكرر ما يقولونه ويصبح تابعا لهم، كل همه أن يقلدهم أو أن يلحق بهم، ويبدع داخل إطارهم، بحيث يتحقق إبداعه من داخل تشكيلهم الحضاري، كما يحدث لكثير من العلماء العرب الذين يهاجرون إلى الغرب.

وهذا ما أدركه السياسي والكاتب الإنجليزي لورد ماكولي، ففي خطاب له للبرلمان الإنجليزي يوم 2 فبراير/ شباط 1835 قال "لقد سافرت في الهند طولا وعرضا، ولم أر شخصا واحدا يتسول أو يسرق. لقد وجدت هذا البلد ثريا إلى درجة كبيرة، ويتمتع أهله بقيم أخلاقية عالية، ودرجة عالية من الرقي، حتى أنني أرى أننا لن نهزم هذه الأمة إلا بكسر عمودها الفقري، وهو تراثها الروحي والثقافي.

ولذا أقترح أن يأتي نظام تعليمي جديد ليحل محل النظام القديم، لأنه لو بدأ الهنود يعتقدون أن كل ما هو أجنبي وإنجليزي جيد وأحسن مما هو محلي، فإنهم سيفقدون احترامهم لأنفسهم وثقافتهم المحلية، وسيصبحون ما نريدهم أن يكونوا، أمة تمكن الهيمنة عليها تماما".

هذه هي الخطة الشيطانية التي لا يزال الاستعمار الغربي يستخدمها ضدنا، ولذا علينا أن نحتفظ بهويتنا وندافع عنها ونفعّلها ونعبر عنها من خلال أعمال إبداعية تخرج من بيئتنا وتعود إليها.

فمثلا هل يمكن أن نطور مدنا لا تسير فيها سيارات خاصة، على أن نطور نظام نقل عام جيد، السيارات فيه تسير بالغاز الطبيعي، ومن ثم نقضي على التلوث بكل سلبياته، الذي يكلفنا الكثير من الناحية الصحية والاقتصادية؟

لماذا لا نطور تقنية الطاقة الشمسية ومساقط المياه في منطقة معروف أنها ستواجه شحا في المياه، حتى أنهم يقولون إن حروب هذا القرن ستكون حروب المياه؟ لماذا لا نركز على تقنية تحلية المياه ونخلصها من مشاكلها؟

لماذا لا نطور مفاهيم جديدة في الإدارة، رجل متقدم في السن يحيط به مجموعة من الشباب الأذكياء، ولا يكون المدير هو الآمر الناهي، وإنما يستمع لمستشاريه، بحيث تصل المجموعة إلى شكل من أشكال الإجماع الذي لا يولد التوترات؟ المدير هنا لا يدير وإنما ينسق، والأطراف قوية مثل المركز.

هذا ما فعله اليابانيون وطوروا اقتصادا على مستويين، فهناك الاقتصاد المتقدم الذي يستفيد بكل منجزات العلم والتقنية، ولكن هناك مستوى آخر وهو ما يمكن تسميته الاقتصاد الشعبي.

فشركة مثل سوني على سبيل المثال تستخدم آخر ما توصلت إليه التقنية، ولكن هناك أعمال أخرى يمكن إنجازها يدويا، فترسل بها إلى الريف الياباني فيقوم الفلاحون بإعدادها في منازلهم.

ويدعي البعض أن التمسك بالهوية يؤدي إلى الحروب والمجازر، وهذه مبالغة غير مقبولة، فهل الحربان (العالميتان) الأولى والثانية، تمتا باسم الهوية أم باسم المصالح الاستعمارية؟

وماذا عن فيتنام وغزو العراق وأفغانستان والحرب الباردة؟ هل التشكيل الاستعماري الغربي الذي أحرق الأخضر واليابس وأباد الملايين ونهب ثروات الشعوب.. هل تم تعبيراً عن الهوية الغربية أم تعبيراً عن طمع وجشع الطبقات الحاكمة؟

وتفعيل الهوية شيء أساسي في عملية النهوض الحضاري، فهويتنا قد تشكلت –كما أسلفت- عبر تاريخنا حتى أصبحت منا وأصبحنا منها.

وعملية التنمية لا يمكن أن تتم من خلال برنامج اقتصادي وسياسي عام، فالبشر لا يتحركون في إطار العام، وإنما يتحركون في إطار الخاص الذي يعرف احتياجاتهم ويأخذ في الاعتبار توجهاتهم وأشواقهم وأحزانهم.

وأعتقد أن ظهور ما يسمى النظام العالمي الجديد والنزعة الاستهلاكية الشرسة يزيد من أهمية قضية الهوية وضرورة التمسك بها.

إن ظهور الهوية في القرن العشرين مسألة لها دلالة، فهي حماية الإنسان ضد عمليات التنميط الزاحفة، وضد العولمة التي كانت توجد بشكل جنيني في بداية القرن وأصبحت الآن مسيطرة ومهيمنة.

إن الهوية في الواقع شكل أساسي من أشكال المقاومة، شرط أن لا تتحول إلى "غيتو" يدخل فيه الإنسان ويتخندق.

هذا لا يعني أن تمسكنا بهويتنا العربية الإسلامية سيفصلنا عن الآخرين، ويمنحنا حقوقا مطلقة كما فعلوا في ألمانيا النازية وفي التشكيل الاستعماري الغربي.

الهوية العربية الإسلامية مجموعة من السمات الإنسانية المختلفة التي قد تسم جماعات إنسانية أخرى، ولكنها توجد بشكل معين وبترتيب محدد يعطي الهوية العربية فرادتها، إذ في الدولة الإسلامية مثلاً كانت توجد هويات مختلفة، لكن رغم ذلك كانت غير متنازعة.

كان يمكن أن يأتي الإنسان من خراسان إلى مصر فيُرحّب به، وكذلك أهل المغرب الذين وجدوا في مصر وطناً لهم من دون أي مشكلة.

ولعل الفن الإسلامي أكبر دليل على التنوّع والاختلاف إلى درجة أن بعض المؤرخين الغربيين ينفون وجود فن إسلامي بسبب تنوعه. وفي الواقع هناك فن إسلامي هندي، وإسلامي عربي ينقسم بدوره إلى إسلامي مصري (فاطمي وأيوبي ومملوكي) وإسلامي دمشقي وهكذا.

الإسلام قد قبل التنوع داخل إطار شامل من الوحدة، وحدة ليست عضوية وإنما فضفاضة. وهذا التنوع قد سمح للجماعات الدينية والإثنية المختلفة بأن تبدع من خلاله مثل إبداع الأكراد وإبداع العرب المسيحيين واليهود.

وقد كان هذا النموذج من الهوية مرفوضاً في الغرب حتى عهد قريب، لأن التعريف الغربي للهوية كان تعريفاً عضوياً، أي يرى الهوية باعتبارها كيانا متماسكا تماما وكأنها النبات أو الحيوان أو كيان عضوي لا يمكن أن تفصل منه أجزاء ثم يكتب له البقاء.

أذكر أنني عندما كنت في الولايات المتحدة في الستينيات، كانوا دائماً يسألونني هل أنت عربي أم مصري أم مسلم، ويشيرون إلى هذا باعتباره اختلاطاً في الهوية ومن ثم نقطة سلبية؟ فكنت أشير إلى جون ميلتون الشاعر الإنجليزي الذي عاش في عصر النهضة، وكان يكتب بالإنجليزية واللاتينية ويعد نفسه إنجليزياً وأوروبياً ومسيحياً في الوقت ذاته، وكان يتحدث باللاتينية مثلاً مع أصدقائه حين ينتقل في أرجاء أوروبا.

وكانت تواريخ الأدب ترى هذا دليلا على عظمة عصر النهضة الغربية، فكنت أقول لهم أنا أيضا دمنهوري عربي مسلم، وفي بداية الأمر ونهايته إنسان، فإنسانيتي العامة المشتركة لا تتناقض مع انتماءاتي المتعددة.

إن الرؤية الغربية الحديثة رؤية مادية عضوية مصمتة تجعل الإنسان صاحب الهوية الذي يعيش على أرضه القومية ومجاله الحيوي، موضع الحلول ومرجعية ذاته، ولذا لا يمكن استئناف أحكامه، ثم فرضوا هذه الرؤية على الواقع بالقوة، فظهرت فكرة الدولة القومية العضوية وكل هذه المفاهيم العنصرية.

وقد أدى هذا إلى أن الحدود الديمغرافية والدينية والسكانية لهذه الدولة العضوية تماثلت مع الحدود الجغرافية، وبالتالي تم القضاء على معظم الأقليات.

فالثورة الفرنسية قضت على كثير من الأقليات، وعلى مجموعة من اللهجات مثل لهجة "الأوكستانيان" و"البريتون"، وهذه صفة في أوروبا منذ القدم.

وأذهب إلى أن أهم تفعيل للهوية في التاريخ العربي الحديث هو الانتفاضة الفلسطينية التي استدرجت "الإسرائيليين" إلى أرضية غير حديثة يصعب على الجندي "الإسرائيلي" أن يتعامل معها بكفاءة، فلم يجد الصهاينة حلا لهذه الورطة إلا بالالتفاف حول الانتفاضة لكبح جماحها، ومن هنا كانت اتفاقية أوسلو.

وهناك محاولات أخرى لتفعيل الهوية مثل قيام الدكتور حامد الموصلي بعدة مشاريع ناجحة نابعة من تفعيل الهوية، مثل صنع الخشب من سعف النخيل. وهناك محاولات الدكتور عبد الحليم إبراهيم وراسم بدران لتطوير معمار إسلامي حديث.

كما يمكننا تفعيل مؤسسات وسيطة مثل الأسرة والجيرة، بحيث يمكن إدارة مجتمعنا بطريقة إنسانية.

2011/05/08

يا أهل مصر هذا بلدكم - معتز عبد الفتاح

عجبنى تعليق الدكتور محمد سليم العوا حين سأله الإعلامى النابه يسرى فودة: «هل أنت متفائل؟» فقال: «أنا لست متفائلا فقط، أنا على يقين أن النهضة قادمة». هذه روح عظيمة يحتاجها بلد بحجم وقامة مصر. وعلمت كذلك أن الضغوط تتزايد على الدكتور العوا كى يقبل الترشح للرئاسة، وقطعا سيكون إضافة مهمة لقائمة نبلاء الوطن الراغبين فى الترشح للرئاسة. تلك القائمة التى كنت أتمنى أن تتضمن العالم الفاضل د. أحمد زويل. لكن الرجل سيخدم مصر من أى موقع كان كما قال لى من قبل. وهذا موقف يليق بنبلاء الوطن، كل فى مكانه.

وما يدفعنى للشعور بالأمل كذلك هو شباب مصر فى كل المجالات. علمت أن المفكر البارز الدكتور مصطفى حجازى وفريق عمله انتهوا من كتابة وثيقة «فوق دستورية وقبل حزبية» كى يعرضها على الرأى العام على أمل أن تحصل على شرعيتها منهم إن قبلوا بها، وهذا مطلوب للغاية.

علمت أن وائل غنيم أخذ إجازة مفتوحة من «جوجل» كى يقوم بترجمة أو عمل مشروع شبيه بـ«خان أكاديمى». وهى إضافة مهمة لمهاراتنا التعليمية، و لو لم يكن ليفعلها هو، لفعلتها أنا، ولكن هو أولى وأقدر.

علمت أن د. عمرو خالد بدأ برنامجا على التليفزيون المصرى استمرارا لرسالته التنموية التى أتوقع لها أن تأخذ شكلا مختلفا فى ظل مناخ الحرية؛ وأعتقد أن هذا ما تحتاجه مصر منه أكثر من تكوين حزب أو السعى لمنصب سياسى.

علمت أن جهود تشكيل بعض الأحزاب الجديدة بدأت تؤتى ثمارها. وانتقل الكثيرون من خانة التمنى إلى التفكير ثم التنفيذ. هذا مهم ومطلوب.

علمت أن الكثير من المصريين فى الخارج راغبون أن يساهموا فى المشروع القومى القادم لمصر كجزء من واجبهم لبناء وطنهم. مصريو الخارج ليسوا أقل ولاء لوطنهم من يهود العالم فى دعمهم لإسرائيل أو للهنود فى دعمهم للهند.

علمت أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة سيعقد اجتماعات دورية مع المتخصصين من أجل خريطة طريق متكاملة.

وعلمت أن فرق عمل متنوعة يتم تشكيلها فى مجلس الوزراء لوضع برامج قصيرة ومتوسطة الأجل لعلاج مشاكلنا المتشعبة.

علمت أن مشيخة الأزهر تدعو وتجتمع مع القوى الإسلامية المختلفة من أجل تحديد أولويات الخطاب الدينى وضبطه فى إطار من الثوابت التى لا تؤدى إلى مفاسد أكثر من المصالح المرجوة. وهو المطلوب تحديدا.

حين تقرأون هذه السطور، يفترض أن أكون قد وصلت إلى أرض الوطن كى أساعد بقدر ما أستطيع فى خدمة وطن يستحق منا أن نجتهد فى خدمته، كل فى مجاله وعلى قدر استطاعته.

لن تنتصر مصر على أمراضها إلا إذا انتصر المصريون على أمراضهم. وأول أمراضنا التفكير بالفهلوة دون العلم، والتعصب للرأى وتضخم الذات والسعى لمصالح النفس على حساب مصالح المجموع. لا يوجد بيننا أهلى وزمالك، نحن جميعا منتخب مصر. والأفضل فى كل مجال، فليتقدمه؛ عسى أن نكون نحن الجيل الذى تشهد معه مصر رفعتها. وطن عظيم لشعب عظيم.

فهّمونا يا جماعة - فهمي هويدي



إذا صح أن أطرافا داخلية وأخرى خارجية تقف وراء عمليات الانفلات الأمنى والبلطجة التى تحدث فى مصر الآن مستهدفة زعزعة الاستقرار وتقزيم البلد، فمن حقنا أن نعرف على وجه الدقة من تكون تلك الأطراف. وما كان لى أن أطرح هذا السؤال لولا أن الذى نسب إليه الكلام هو عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة اللواء مختار الملا، وقد نشرته صحيفة «المصرى اليوم» يوم الخميس الماضى 5/5، فى تقريرها عن أولى ندوات المجلس العسكرى التى أطلقت لمناقشة موضوع «مصر الديمقراطية»، وكان عنوان حلقة الحوار الذى أداره اللواء الملا هو: الأمن وآليات تحقيقه فى الظروف الراهنة.

صحيح أن من تقاليد خطابنا الإعلامى الذى خبرناه فى ظل النظام السابق أن ينسب كل اضطراب فى البلد إلى «قلة مندسة» وإلى «أصابع خارجية»، كما أن ذلك الخطاب دأب على الادعاء فى كل مناسبة بأن «مصر مستهدفة»، دون أن يقال لنا على ماذا حسدوا مصر، وقتذاك، ولا من هم أولئك الحساد فى تلك المرحلة. كانت الرسالة الموجهة إلى الملا تقول ما خلاصته إن الجبهة الداخلية مستقرة وكله تمام، إلا أن عدو الداخل الإستراتيجى هو الإخوان المسلمون أما عدو الخارج فقد كان الثلاثى: حماس وحزب الله وإيران. أما العدو الإستراتيجى المتمثل فى إسرائيل فقد كان من الناحية العملية حليفا إستراتيجيا. بقدر ما أن الرئيس السابق كان كنزا إستراتيجيا لإسرائيل، كما ذكر الوزير الإسرائيلى بن اليعازر.

إذ نفترض أن الوضع اختلف الآن، بحيث أصبح النظام الجديد أكثر أمانة وشفافية. فإنه لم يعد يكفى ــ ولا يشفى ــ أن يقال لنا على لسان عضو فى المجلس العسكرى إن ثمة جهات داخلية تسعى لإثارة الفوضى والانفلات الأمنى فى البلد، وإن هناك جهات أخرى خارحية حريصة على ذلك وساعية إلى تقزيم مصر وإضعاف دورها. وحتى لا يحال الأمر إلى مجهول، أو يحمل على الخبرة السابقة التى شهدناها فى عصر مبارك. فقد بات مهما للغاية، ومفيدا أيضا، أن نعرف ما إذا كان «الأعداء» المفترضون فى الأمس هم أنفسهم الأعداء المرشحون اليوم أم ماذا؟

ربما كان الشق الخاص بالداخل أكثر وضوحا من وضع الخارج. أعنى أنه الأقرب إلى الاذهان الآن أن يكون الطرف المستفيد من إشاعة الفوضى فى الداخل هم بالدرجة الأولى أنصار النظام السابق والمسئولون عن جرائمه من بين ضباط أمن الدولة، والهاربون من السجون الذين ربما انضموا إلى عصابات البلطجة التى أنعشتها الأجواء الراهنة ووفرت لها فرصة لبسط النفوط ونهب الأرض وابتزاز الأهالى. ولا يستطيع المرء أن يخفى حيرته إزاء الأسئلة التى يثيرها هذا الجانب. وإذ يفترض أن أركان النظام السابق أصبحوا رهن الاعتقال، فإن السؤال عن دور «لفلولهم» يظل واردا، كما أن التساؤل عن هوية مواقع تلك الفلول يصبح ملحا. ثم إن هناك سيلا من الأسئلة التى تثار حول دور الشرطة وبقايا جهاز أمن الدولة السابق. صحيح أن الوضع الأمنى تحسن نسبيا لكن من الصعب القول بأن الأمن مستقر تماما، فى ظل ما نسمعه كل يوم عن أعمال البلطجة فى أنحاء البلاد، والاضطرابات التى تحدث فى السجون جراء محاولة هروب نزلائها وجرأتهم على رجال الشرطة وهو ما يفسر بأحد احتمالات ثلاثة.

إما أن تكون وزارة الداخلية الحالية غير قادرة على حفظ الأمن. وفى هذه الحالة ينبغى أن يتولاها من هو قادر على النهوض بالمهمة. أو أن بعض القيادات الأمنية متقاعسة عن أداء دورها لأسباب تتعلق إما بخبراتها أو ارتباطاتها السابقة، وهو ما ينبغى أن يعامل بما يستحقه من حزم. وإما أن الإخلال بالأمن لم يقابل بالردع الكافى، رغم أن الوضع القانونى يسمح الآن بالوصول بالعقوبة فى هذه الحالة إلى الإعدام. وهو ما يعنى أن الأمر ينبغى أن يؤخذ على محمل الشدة والجد.

خلاصة الكلام فى هذا الشق أن مصطلح «الفلول» ينبغى أن يحرر ولا يطلق هكذا فى الفضاء الإعلامى والسياسى مجهلا، حتى تتضح الصورة فى الأذهان، ويتعرف الرأى العام على موطن الداء ومصدر البلاء.


المطلب ذاته نطرحه فيما يتعلق بالقوى الخارجية الساعية إلى تقزيم مصر، ذلك أنه لم يعد ينطلى علينا الادعاء بأن حماس وحزب الله وإيران لهم مصلحة فى إشاعة الفوضى أو انهيار الوضع فى مصر، لأن خصومة تلك الأطراف كانت مع النظام السابق. ومصر العفية الغيورة على كرامتها واستقلالها أقرب إليها من «مصر مبارك». وليس سرا أن فى مقدمه الأطراف التى تضررت من الوضع الجديد ولم تكن سعيدة به دولتان هما الولايات المتحدة وإسرائيل. إذ الأولى فوجئت به والثانية صدمت فيه وتوجست منه. فهل هذا ما قصده اللواء الملا فى إشارته إلى الأطراف الخارجية التى تريد تقزيم مصر. وهل هناك طرف ثالث لا نعرفه ولا نراه ــ الشعب يريد أن يفهم.

2011/05/07

د. محمد سليم العوا يكتب عن: العلاقات الإسلامية المسيحية في مصر


العلاقات القبطية الإسلامية في مصر علاقات عمرها يجاوز أربعة عشر قرناً من الزمان, استطاع المصريون خلالها أن يحافظوا دائماً على حقيقتين : الإيمان المتعدد مسيحيّا وإسلاميّا, والعيش الواحد مصريّا. وهزمة هذه الوحدة جميع محاولات التفريق بين الفريقين دينيّا, اللذين يكونان فريقاً واحداً متماسكاً كالبنيان المرصوص وطنيةً وولاءً.

ولا يملُّ المصريون من استدعاء مقولة القس سرجيوس حين أراد البعض تسويغ التدخل الأجنبي بحجة حماية الأقباط من مخاطر عيشهم مع المسلمين, وهم أكثرية غالبة, فقال سرجيوس : “يريدون التدخل لحماية الأقباط , فليمت الأقباط ولتحيا مصر” وكانت النتيجة, أن بقى الأقباط وبقى المسلمون وبقيت مصر أيضاً.

فالتخدل الأجنبي في شئون مصر مرفوض من الفريقين جميعاً, أو على الأقل من كثرتهم الغالبة الوطنية العاقلة؛ لأنهم يعلمون حقاً أن الأجنبي لا يريد خيرًا لأحد, ولا يريد خيرا بهذا الوطن أصلا. وكان المصريون الأقباط والمسلمون, وهكذا يتحدث هاني لبيب في كتابه,  “يفخرون بتوافر مقومات العيش المشترك” ومع وجاهة هذه المقولة, وصحة ما تنبني عليه من مقدمات فإنني منذ عدة سنوات أنادي بأن يكون السعي والعمل القبطي الإسلامي – وفي العالم العربي كله لنقل : المسيحي الإسلامي متجها نحو تحقيق العيش الواحد. والفارق بين الهدفين ليس شكليّا ولا لفظيّا. فأما العيش المشترك حياة بين طرفين متباينين فيما تكون به مقومات هذه الحياة, والحقوق الواجبات فيها, والنتائج التي تحققها لكل منهما. وأما العيش الواحد فهو حياة المواطنين المتساوين في أصل المواطنة, وفيما يترتب عليها من حقوق وواجبات, وفيما يكون نصيبا لكل مواطن من عزم وغنم, ولا يفرق بينهم في هذه الحياة أن إحدهما مسيحي والثاني مسلم, وإنما يجمعهما شرف الانتماء إلى وطن بنوه معا, ويحمونه بدمائهم وأموالهم معا, ويدفعون كل كيد يراد به بوقوفهم صفا واحداً. وفكرة العيش المشترك بما ترسخه من وجود “صنفين” أو “فريقين”, فكرة تتيح دائماً للآخرين مساعي إيقاع الفرقة بينهما, والعمل على تشتيت جهودهما, والنفخ في نار الفتنة التي لا تعدم أبدا حمقى يقبلون على إشعال المزيد منها وتوسيع نطاقها والولولة والصراخ بعد ذلك أنهم من ضحاياها.

أما فكرة “العيش الواحد” فإنها تصد عن هذه السيل أصلا, وتغلق الأبواب في وجه الذين يريدونها عوجا, تعوق مسيرة المصريين ومحاولتهم تعويض مسافة ما فاتهم بسبب الاستعمار والقهر المتواليين من الأخذ بأسباب تطوير الإرادة وتحديث الدولة والإسهام في حركة العالم نحو توظيف المعرفة ومكتسباتها والعلم وإنجازاته لصالح الإنسان, لا لصالح الحكام وحدهم ولا لصالح أدوات القمع السياسي والقهر الفكري التي لا يعاني منها أحد, من الشعوب الصانعة للحضارات, كما يعاني منها المصريون منذ عشرات السينين.

وهاني لبيب يقدم في كتابه نماذج مشرقة وصوراً حية للعيش الواحد, وإن سماه العيش المشترك. ولا يتقدم هاني لبيب بكتابه هذا على النحو الذي يراه قارؤه في أرض تتلقاه بالورود والرياحين, ولكنه يمشي به في أرض مخافة, مليئة بالمصاعب والعقبات. وهو لن يلقى هذه المصاعب والعقبات من بعض متعصبة المسلمين وحدهم, لكنه سيجدها أيضا وبقدر أكبر من متعصبة الأقباط وحمقاهم. ففي الفريقين متعصبون وحمقى, وفي الفريقين, جهلة يقودهم أصحاب الأهواء والمصالح. ولكن واجب العقلاء من الفريقين وهاني لبيب من شبابهم الواعد, أن يقفوا في وجه موجات التعصب مهما بدت عنيفة, وآثار الحمق مهما كانت مخيفة, وأن يقدموا المثل من أنفسهم على تحمل المشقة في سبيل وحدة الوطن ووحدة أبنائه, وإلا أصبحنا أو أمسينا غرباء في بلدنا, أو أصبحنا مشردين لا وطن لنا.

وليس لمصر حصانة ذاتية, ولا مناعة داخلية تحول بينها وبين المصير الذي هوت إليه أو الذي ينتظر أن تهوي إليه بلدان أخرى في الشرق والغرب, وفي الشرق الأوسط بوجه خاص. وحصانتها الوحيدة هي عمل العقلاء من أبنائها الذين يرون مخاطر الفرقة, فيحولون بينها وبين أن يحقق العاملون لها أهدافهم.

وفي خصوص العلاقات القبطية / الإسلامية في مصر ينتظر أن يؤدي واجب مهم على الصعيدين الحكومي والشعبي, فلا ريب أن هناك عقبات في وجه تحقيق الوجود الحر للمجتمعات الشعبية القبطية, ولا يقل عنه – بل هو قطعاً يزيد عليه – ما تلقاه محاولات التجمع الشعبي – الفكري أو السياسي – الإسلامية. والحكومة هنا مدعوة للعمل في هذا الميدان بروح العصر, وإلى الإصلاح الذاتي الذي يستجيب لمطالب الناس ويحول بينهم وبين أن يضعوا فرائس سهلة لطلاب المجد وطلاب الشهرة من ضحايا التعصب الأعمى أو عملاء العدو الأجنبي.

وعلى الصعيد الشعبي ينتظر المصريون من القيادات الدينية, المسيحية والإسلامية, أن يكون صوتها العاقل الصادق أعلى من كل صوت يفتقر إلى معنى الصدق والعقل. وينتظر المصريون من الدعاة في مساجدهم والكهنة في كنائسهم أن يبِّصروا مريديهم بحقيقة العلاقة الأزلية بين المصريين على اختلاف أديانهم, بعد أن تجاوز السياسيون الصادقون مقولة “عنصري الأمة” ومقولة “العيش المشترك” إلى مقولة “العيش الواحد”.

ونحن في هذا الجهد لا نريد من قبطي أن يترك دينه, ولا من مسلم أن يتنازل قيد شعرة فما فوقها عن مقتضيات عقيدته أو شريعته أو السلوك الواجب عليه بهما, ولكننا نريد أن يدرك الجميع أنه لا بقاء لأحدهما دون الآخر, وأن النار التي يشعلها أحدهما ستصيبه قبل أن تحرق الآخرين.


من مقدمة الدكتور محمد سليم العوا لكتاب هاني لبيب المعنون بـ “أزمة الحماية الدينية : الدين والدولة في مصر”
الطبعة الأولى 1421هـ / 2000م